في مطلع القرن العشرين، سيخرج واعظ أميركي اسمه تشارلز فوكس بارهم واحدة من أكثر السرديات تأثيراً في تاريخ المسيحية المعاصرة. هذه السردية هي “معمودية الروح القدس” كاختبار ثانٍ بعد الإيمان والخلاص، يمكّن المؤمن من قوة روحية مميزة وإحساس بحضور الإله في حياته اليومية. كان بارهم ينتمي إلى سياق بروتستانتي إنجيلي مشبع بحركة القداسة، حيث تزايد الحديث عن الحاجة إلى تجديد روحي يتجاوز الانتماء الكنسي الشكلي إلى اختبار داخلي عميق. لكنه دفع هذه الحساسية الروحية خطوة أبعد حين بدأ يتحدث عن “معمودية الروح القدس” كحدث فاصلة في حياة المؤمن، يرافقه التكلم بألسنة وعلامات أخرى تُقرأ كأصداء لسفر أعمال الرسل عن حلول الروح على التلاميذ.
في ليلة دخول عام 1901، في مدرسة الكتاب المقدس التي أسسها بارهم. بحسب الروايات، شهدت مجموعة من الطلبة تجربة روحية مكثفة مرتبطة بـ“معمودية الروح القدس”، وأصبحت نقطة مرجعية لاهوتية وروحية تُعتبر لحظة ولادة شيء جديد. لم يكن الأمر مجرد انفعال عاطفي عابر، بل حدثاً قرئ وتأطر فوراً في إطار نصوص العهد الجديد، بحيث تحوّل ما جرى في قاعة صغيرة إلى نموذج يمكن إعادة اختباره في أماكن أخرى. أسّست تجربة بارهم وتلاميذه لسردية متكاملة: المؤمن يخلُص أولاً، ثم يطلب “المعمودية في الروح”، وحين ينالها يدخل في مستوى آخر من الحياة المسيحية، يتسم بالجرأة في الشهادة، والانفتاح على المواهب الروحية، والشعور بقرب خاص من الله.
هذه السردية ستجد صداها بعد سنوات قليلة في فضاء مختلف تماماً، هو أحد أحياء لوس أنجلِس الفقيرة التي ستعرف لاحقاً باسم “نهضة شارع أزوسا”. في أبريل 1906، ستندمج لغة بارهم عن “معمودية الروح القدس” مع واقع اجتماعي شديد الهشاشة، ومع قيادة روحية جديدة يمثلها ويليام جوزيف سيمور، لتخرج من حدود مدرسة دينية صغيرة إلى حركة واسعة تضم فقراء ومهمشين من أعراق وخلفيات متعددة، يتقاسمون الحماسة نفسها لفكرة حضور الروح بقوة في اجتماعات الصلاة. بهذا الانتقال، تتحول تجربة 1901 من نقطة محدودة في جغرافيا كانساس إلى افتتاحية سردية لحركة خمسينية عالمية ستغيّر وجه البروتستانتية، وتنقل التركيز من اللاهوت النظامي إلى الاختبار الروحي المباشر، ومن الكنائس البيضاء المستقرة إلى الأطراف الاجتماعية التي وجدت في الوعد بقوة الروح نوعاً من التعويض عن الهامشية والتمييز.
الكتابة عن تجربة بارهم اليوم لا تقتصر على إعادة سرد قصة قديمة. بل تتيح فتح نقاش أوسع حول معنى أن يبدأ تحوّل عالمي بلحظة يبدو فيها كل شيء متواضعاً وهشّاً: قاعة صغيرة، مجموعة من الطلبة، تفسير معيّن لنصوص كتابية، وشخص يتساءل إن كانت المسيحية ما تزال قادرة على إنتاج اختبارات شبيهة بالقرون الأولى. في خلفية هذا النقاش، يمكن التمهيد لمقاربة أكثر شمولاً لنهضة أزوسا في أبريل، بوصفها الامتداد الشعبي والاجتماعي لتلك اللحظة الأولى. إذا كانت ليلة 1901 قد صاغت اللغة اللاهوتية لـ“معمودية الروح القدس”، فإن ربيع 1906 سيصوغ الجسد الاجتماعي للحركة الخمسينية، ويُخرجها من النظري إلى واقع كنائس جديدة وممارسات مختلفة. بهذا الربط السردي، يصبح الحديث عن بارهم وتلاميذه مقدمة طبيعية لفتح ملف أوسع عن كيف انتقلت الفكرة من كتابات وأحاديث محدودة إلى نهضة روحية عابرة للحدود والقارات، ما يزال صداها حاضراً بقوة حتى اليوم.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93506417/tsharlz-f...


