تسييس الجزولية وتحوّل الشرعية السياسية في المغرب السعدي


الجمعة 28 أغسطس/أوت 2026 à 12:17 |



شكّل صعود الطريقة الجزولية في القرن الخامس عشر أحد العناصر التي أعادت تنظيم العلاقة بين التدين الصوفي والسلطة في المغرب الأقصى. فقد أتاح انتشارها الاجتماعي الواسع، المرتبط باسم الشيخ سليمان الجزولي، انتقال نفوذها من المجال الروحي والتربوي إلى فضاء الشرعية السياسية، في مرحلة اتسمت بضعف السلطة المركزية وبالضغوط البرتغالية على السواحل المغربية. وفي هذا السياق، برز التحالف بين الزوايا الجزولية والأشراف السعديين القادمين من جنوب البلاد، بوصفه أساساً ساعد على صوغ نموذج جديد للحكم.



استندت الجزولية إلى قاعدة من المريدين والأتباع قُدّر عددها عند وفاة مؤسسها سنة 1465 بنحو 12 ألفاً. ولم يكن هذا الامتداد مجرد حضور ديني، بل وفر رصيداً اجتماعياً واسعاً أمكن توظيفه في دعم الأمراء السعديين. ومن خلال هذا التقارب، اقترن النسب النبوي، أو الشرف، بتأييد صوفي يستمد مشروعيته من البركة والولاية، فأصبح الشرف عنصراً مركزياً في التصور السياسي والديني الذي ارتكزت عليه الدولة السعدية لاحقاً.


وتبلورت شرعية السعديين الأوائل ضمن تصور خلاصي ذي طابع ألفي، قدّم الأسرة الحاكمة باعتبارها قوة قادرة على قيادة المجتمع نحو السعادة والنعمة والخلاص. وقد ارتبط هذا التصور بتعاليم الجزولي وبفكرة إعادة بناء مجتمع إسلامي مثالي، ولا سيما عبر تعبئة الجهاد ضد الوجود البرتغالي. وفي هذا الإطار، اكتسب اسم الدولة السعدية دلالة سياسية ودينية، إذ أحال إلى السعادة والخلاص اللذين وعد بهما الخطاب المؤيد للصعود السعدي.


ولم يبق الاندماج بين الجزولية والسلالة الجديدة في حدود الخطاب أو التأييد السياسي، بل وجد تعبيراً مادياً في ترتيبات الدفن والذاكرة السلطانية. فقد طلب السلطان محمد القائم بأمر الله أن يدفن قرب الشيخ سليمان الجزولي. ثم نقل ابنه وخليفته جثمان الشيخ إلى مراكش، العاصمة السعدية الجديدة، حيث أُقيم ضريح مشترك يجاور فيه مؤسس الطريقة مؤسس الدولة. وحوّل هذا الترتيب المكان إلى علامة بصرية على التداخل بين بركة الولي الصوفي وشرعية السلالة الشريفة.


واختلف هذا النموذج عن صيغ الحكم التي سبقته في المغرب العربي. فقد اعتمد المرابطون، وفق هذا التصور، على عصبية صنهاجة القبلية وعلى تشدد مذهبي مالكي تعامل بحذر مع بعض مظاهر التصوف والزهد. أما السعديون فجعلوا النسب الشريف المصدر الأبرز لشرعية الحكم، وعززوه بتحالف منظم مع طرق صوفية تمتلك حضوراً اجتماعياً واسعاً وقدرة على التأثير في الجماعات المحلية.


كما ساهم هذا التحالف في تخفيف التباعد التقليدي بين السلطان والولي، بعد فترات شهدت نزاعات بين الفقهاء والسلطات السياسية من جهة، وبعض التيارات الصوفية من جهة أخرى. فالحاكم السعدي لم يقدم باعتباره صاحب سلطة دنيوية فقط، بل بوصفه شريفاً من نسل النبي ومسنوداً ببركة صوفية. ومنحت هذه الصيغة الحكم بعداً يجمع النسب الديني بالتأييد الروحي.


وعلى المستوى العملي، أصبحت الزوايا الجزولية جزءاً من شبكة نفوذ تخدم السلطة المركزية. فقد تحوّل شيوخها إلى حلفاء للدولة، واستُخدم حضورهم في القبائل والمناطق الطرفية لتوسيع السيطرة على المجالات التي كانت توصف ببلاد السيبة. وهكذا لم يكن تسييس الجزولية مجرد توظيف رمزي للتصوف، بل أداة لبناء سلطة سلالية مركزية تستند إلى الشرف والبركة وشبكات الزوايا معاً.




المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97839677/...


: في نفس القسم