أولاً: التلاعب بالصور الفوتوغرافية (التزييف البصري)
تُعد الصورة الأداة الأكثر إقناعاً في ترسانة التضليل، لقدرتها على إيهام المتلقي بـ"الواقعية المطلقة". وقد تطورت آليات هذا التزييف لتنتقل من الحذف إلى التصنيع الكامل:
- الحذف والإخفاء: لطالما استُخدمت تقنيات الرتوش والمسح اليدوي لإعادة كتابة التاريخ من خلال شطب الأشخاص الذين سقطوا من حسابات السلطة. ومثال ذلك ما جرى في الحقبة الماوية في الصين، حيث تم حذف شخصيات سياسية وعمال من الصور الرسمية لتجميل صورة الزعيم وإظهاره بمظهر المنفرد في "حكمة" القيادة.
- الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق: مع ثورة التكنولوجيا، أصبح التزييف اليوم "إبداعياً" بامتياز. فلم يعد الأمر مقتصراً على حذف ما هو موجود، بل صار ممكناً خلق أحداث لم تقع أصلاً. وقد شهدنا استخدامات لهذا التزييف في السياق السياسي الغربي، حيث يتم تركيب صور لزعماء مع أقليات أو في تجمعات حاشدة لم تحدث قط، بهدف تحسين صورتهم لدى فئات انتخابية معينة.
ثانياً: الإعلام كأداة لتأطير السردية
لا تكتفي المؤسسات الإعلامية بنقل الخبر، بل تقوم "بصياغته" عبر انتقاء ما يُعرض وإخفاء ما يُراد له أن يُنسى:
- الصمت الانتقائي: تتبع وسائل الإعلام سياسة إخفاء الصفحات التاريخية التي قد تزعج صورة "النموذج الديمقراطي الليبرالي". فبينما يتم الاحتفاء بأحداث هامشية، يتم تجاهل مجازر كبرى أو جرائم استعمارية (مثل دور تشرشل في مجاعة البنغال)، مما يكرس ذاكرة انتقائية مشوهة.
- إعادة الكتابة والشيطنة: تُستخدم الشخصيات التاريخية كأدوات لتبرير الصراعات الراهنة. ويتم في الإنتاج الثقافي (أفلام، ألعاب إلكترونية) تقديم رموز ديمقراطية سابقة (مثل روبسبير) في قوالب شيطانية تُبرز الدموية وتخفي البعد الاجتماعي والسياسي لثوراتهم، وذلك لضمان بقاء النظام السياسي القائم دون تهديد من أفكار الماضي.
- نموذج "الآنية": تعتمد وسائل الإعلام الحديثة على سرعة وتيرة الخبر لتعطيل التفكير النقدي، محولةً المتلقي إلى آلة استقبال لردود الفعل الغاضبة، مما يمنع الشعوب من التوقف للتأمل في الحقائق التاريخية التي تُبنى على أساسها قراراتهم الراهنة.
ثالثاً: المصطلحات والخرائط كأدوات تضليل
تتسلل الأيديولوجيا عبر اللغة والأدوات الجغرافية.
المصطلحات "المفخخة": اختراع مفاهيم دون أساس علمي (مثل "الإسلامو-يسارية") لغرض شيطنة الخصوم وإقصائهم سياسياً. وبالمثل، تُستخدم تسميات تضليلية لبعض الحقبات (مثل "سنوات الرصاص" في إيطاليا) لتسليط الضوء على عنف جهة واحدة مع طمس جرائم الجهة الأخرى.
التزييف الكارطوغرافي: أما الخرائط، فهي ليست مجرد أدوات للملاحة، بل هي أدوات هيمنة؛ فخرائط "ميركاتور" التي نستخدمها تعطي حجماً مضخماً لأوروبا وأمريكا على حساب إفريقيا ودول الجنوب، مما يعزز شعوراً بالتفوق الجغرافي والسياسي للأمم الغربية، ويخفي حقيقة موازين القوى التاريخية.
رابعاً: بناء "الأساطير التاريخية" في عصرنا
نحن نعيش حقاً في عصر "الميثولوجيا التاريخية"، حيث يُعاد اختراع الأبطال التاريخيين وتجريدهم من سياقهم الإنساني ليصبحوا أيقونات صماء لخدمة هويات جماعية ضيقة. إن هذا التحويل للأساطير التاريخية إلى رموز سياسية هو عملية هدم للذاكرة الحقيقية لصالح ذاكرة "متخيلة" تُبرر السياسات الحالية، وتطمس الحقائق التي قد تُعكر صفو هذه الأساطير المثالية.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97722714/tzyyf-alta...










