يثير ترشّح الرئيس السنغالي السابق ماكي سال لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة نقاشاً حاداً في المشهد السياسي ببلاده منذ الإعلان عنه رسمياً قبل أيام، بعدما تأكدت تسجيل ملفه لدى المنظمة الدولية بدعم من بوروندي التي تتولى حالياً رئاسة الاتحاد الإفريقي، وليس عبر السلطات في دكار التي ما زالت تلتزم الصمت حيال هذه المبادرة. ويأتي هذا المسار غير المألوف في تقديم ترشيح شخصية وطنية عبر دولة أجنبية ليعكس استمرار البرودة في العلاقات بين ماكي سال وخلفه الرئيس بسيرو ديوماي فاي، وهو ما تغذّيه أيضاً الذاكرة القريبة للأزمة السياسية التي رافقت نهاية العهدة السابقة.
الترشيح الذي كشفته في البداية المتحدثة باسم الأمم المتحدة، مؤكدةً أن بوروندي هي التي أودعت رسمياً اسم الرئيس السنغالي السابق ضمن المرشحين لمنصب الأمين العام، وضع دكار في موقع حرج، إذ إن الدولة المعنية لا تظهر في الصفوف الأولى لحملة دعم أحد أبرز قادتها السابقين، في وقت اعتاد فيه المسار الأممي أن تُقدَّم الأسماء من طرف دولها أو تكتلات إقليمية تتبنى خياراً واضحاً. وتفيد تقارير إعلامية سنغالية بأن ماكي سال سبق أن راسل الرئيس بسيرو ديوماي فاي لطلب دعمه، من دون أن يحصل حتى الآن على رد معلن، بينما تشير مصادر دبلوماسية إلى أن باريس كانت قد عبّرت، قبل نهاية ولايته، عن استعداد مبدئي لمساندة طموحه الأممي مقابل تخلّيه عن فكرة تمديد بقائه في السلطة.
في الداخل السنغالي، تتقاطع قراءات متباينة لهذه الخطوة؛ فجزء من الطبقة السياسية والنقابية، إضافة إلى شخصيات من المجتمع المدني، يدعو الرئيس الحالي إلى تجاوز الخلافات الداخلية والانتصار لما يصفه بمصلحة البلاد الاستراتيجية عبر دعم ترشيح سلفه، انطلاقاً من اعتقاد بأن وصول سنغالي إلى رأس هرم الأمم المتحدة من شأنه أن يعزّز وزن دكار ودور القارة الإفريقية في الملفات الدولية. في المقابل، يصرّ خصوم ماكي سال وأطراف من الأغلبية الحاكمة على ربط النقاش بحصيلة فترة حكمه، مستحضرين على وجه الخصوص ملف العنف السياسي الذي رافق الاحتجاجات بين عامي 2021 و2023، وما ترتّب عليه من سقوط عشرات القتلى في صفوف الشباب، إضافة إلى الجدل الذي أثاره قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية قبل أن يتم التراجع عنه تحت الضغط الداخلي والخارجي.
منظمات حقوقية مثل فرع منظمة العفو الدولية في السنغال تشدد على أن دعم أي مرشح إفريقي لهذا المنصب يجب أن ينسجم مع التزامات الاتحاد الإفريقي في مجال حقوق الإنسان، وتذكّر بتقارير اتهمت السلطات خلال عهد ماكي سال بتحمّل مسؤولية انتهاكات جسيمة خلال قمع المظاهرات المعارضة لسلطته. كما عاد إلى الواجهة ملف “الملايين السبعة” من الدولارات التي قالت السلطات الحالية إنها اكتشفتها في حسابات مرتبطة بمحيط الرئيس السابق، وهو ما قيل لاحقاً إن صندوق النقد الدولي أكّده في إطار تدقيق مالي، ليصبح هذا العنصر بدوره جزءاً من الحجج التي يستخدمها معارضو ترشيحه للتشكيك في أهليته الأخلاقية.
ومع ذلك، يرى عدد من خبراء العلاقات الدولية أن المسار المهني لماكي سال يمنحه أوراق قوة في المنافسة، إذ شغل حقائب وزارية عدة، وتولى رئاسة الحكومة والجمعية الوطنية قبل وصوله إلى رئاسة الجمهورية، كما نسج خلال سنوات حكمه علاقات واسعة مع القوى الكبرى وأدار ملفات إقليمية معقدة، وهي عناصر يُعتقد أنها تتماشى مع المواصفات التي تبحث عنها منظومة الأمم المتحدة في شاغل منصب أمينها العام. غير أن هؤلاء يشيرون في الوقت نفسه إلى أن ميزان القوى داخل مجلس الأمن، وخصوصاً مواقف الأعضاء الدائمين الخمسة، سيظل العامل الحاسم في حظوظ أي مرشح، إلى جانب قاعدة غير مكتوبة تتعلق بالتناوب الجغرافي، حيث تُعتبر هذه الدورة أقرب إلى أن تكون من نصيب أمريكا اللاتينية.
المسار الانتخابي على المستوى الأممي محكوم بقرار للجمعية العامة صدر في سبتمبر 2025 يحدد إطاراً شفافاً لعملية الاختيار، يشمل توجيه رسالة إلى الدول الأعضاء لترشيح الأسماء، وتنظيم جلسات حوار تفاعلي علني مع كل المرشحين قبل أن يرفع مجلس الأمن توصيته بخصوص اسم واحد لولاية مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد. وتشير روزنامة الأمم المتحدة إلى أن أسبوع 20 أبريل 2026 مخصَّص لهذه اللقاءات مع المرشحين، على أن تُستكمل بعدها مرحلة التقييم والمشاورات داخل مجلس الأمن قبل نهاية العام، تمهيداً لاختيار خليفة أنطونيو غوتيريش الذي يفترض أن يتسلم مهامه في مطلع 2027.
إلى جانب ماكي سال، تضم القائمة الأولية أسماء أخرى بارزة من مناطق مختلفة من العالم، من بينها الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشليه والمدير الحالي للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل ماريانو غروسي، ما يجعل السباق مفتوحاً على تحالفات إقليمية ودولية متشابكة. وفي انتظار اتضاح موقف دكار الرسمي، يواصل الفاعلون السياسيون والحقوقيون في السنغال الضغط في الاتجاهات المتعارضة، بين من يعتبر أن دعم هذا الترشيح يمثل استثماراً في صورة البلاد ومكانتها، ومن يرى أن المحطة الأممية يجب أن تأخذ في الاعتبار سجلاً كاملاً، بما فيه السنوات الأخيرة من حكم ماكي سال التي لا تزال أحداثها حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95405238/trsh-h...