أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقادات حادة جديدة تجاه البابا لاوون الرابع عشر، معلنا أمام صحافيين في قاعدة أندروز الجوية المشتركة في ولاية ماريلاند أنه "ليس من أشد المعجبين" بالحبر الأعظم، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على نداء قوي من الفاتيكان إلى قادة العالم لوضع حد للحروب. يستهدف هذا التوتر المعلن رأس الكنيسة الكاثوليكية في لحظة تتزايد فيها حدة السجال حول الحرب في إيران وما يرتبط بها من خيارات عسكرية ودبلوماسية.
ترامب وصف البابا بأنه "ليبرالي للغاية" وبأنه "رجل لا يؤمن بمكافحة الجريمة"، معتبرا أن مواقفه تمنح، في رأيه، هامشا لمشاريع امتلاك السلاح النووي، في إشارة مباشرة إلى إيران. وفي منشور متزامن على منصة "تروث سوشيال"، شدد الرئيس الأميركي على أنه لا يريد بابا يعتقد أن امتلاك إيران سلاحا نوويا أمر مقبول، رابطا بذلك بين الخطاب الأخلاقي للفاتيكان وحدود الردع العسكري الذي تريده واشنطن في مواجهة خصومها الإقليميين. هذه العبارات تأتي امتدادا لسلسلة من الرسائل التي اتهم فيها ترامب البابا بأنه "ضعيف في ملف الجريمة" و"سيئ بالنسبة للسياسة الخارجية"، وفق ما نقلته تقارير إعلامية أميركية.
في المقابل، كان البابا لاوون الرابع عشر، وهو أول بابا أميركي في تاريخ الكرسي الرسولي ويبلغ السبعين من العمر، قد وجّه السبت نداء جديدا شدّد فيه على ضرورة إنهاء الحروب، داعيا إلى التخلي عن "عبادة الذات والمال" والتوقف عن استعراض القوة العسكرية. يندرج هذا الخطاب ضمن سلسلة مواقف علنية انتقد فيها الحبر الأعظم التصعيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وخصوصا الحرب في إيران التي تدور في إطار تحالف يضم الولايات المتحدة وإسرائيل، كما عبّر في مناسبات سابقة عن تحفظه على توسع استخدام القوة في مناطق أخرى مثل فنزويلا. كما سبق أن وصف التهديدات التي أصدرها ترامب بمحو "حضارة" في إيران بأنها غير مقبولة، داعيا إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
ورغم إصرار واشنطن والفاتيكان في تصريحات رسمية أخيرة على نفي وجود أزمة مفتوحة في العلاقات الثنائية، فإن سلسلة من التقارير الإعلامية كشفت عن توتر كامن بين المؤسستين. فقد تحدثت منصة "ذا فري برس" عن اجتماع عاصف في البنتاغون خلال كانون الثاني/يناير جمع الكاردينال كريستوف بيير، مبعوث الكرسي الرسولي إلى الولايات المتحدة، بمسؤولين في وزارة الدفاع، بينهم المسؤول عن السياسات البريدج كولبي. وأفادت الرواية بأن الجانب الأميركي وجّه للموفد الفاتيكاني "محاضرة لاذعة" حول انتقادات البابا لإدارة ترامب، وأن مسؤولا عسكريا ذكّر بأن الولايات المتحدة "تملك القوة العسكرية لفعل ما تشاء" وأن من الأفضل للكنيسة الاصطفاف إلى جانبها. غير أن البنتاغون سارع إلى نفي هذه المعطيات، واصفا التقرير بأنه "محرف" ومؤكدا أن الاجتماع كان مهنيا ووديا، وهو ما أكده أيضا الفاتيكان عبر متحدثه الرسمي ماتيو بروني الذي اعتبر أن ما نشر لا يتطابق مع حقيقة ما جرى.
هذا السجال ليس معزولا عن ملفات أوسع تشكل نقاط احتكاك مستمرة بين البيت الأبيض والكرسي الرسولي. فقد عارض البابا لاوون بشكل واضح حملة إدارة ترامب لترحيل المهاجرين، واصفا بعض الإجراءات بأنها تمس الكرامة الإنسانية، كما انتقد بلهجة صريحة اللجوء المتكرر إلى القوة العسكرية كأداة أولى للسياسة الخارجية الأميركية. في المقابل، يرى ترامب وأنصاره أن تدخل الحبر الأعظم في قضايا الهجرة والحرب يخرج المؤسسة الدينية عن دورها الروحي إلى مساحة يعتبرونها سياسية، ما يفسر حدة اللهجة المستخدمة في وصفه للبابا بأنه "شديد الليبرالية" ومقرّب من ما يسميه "اليسار الراديكالي".
على الرغم من هذا التوتر، رصدت الأوساط الدبلوماسية مؤشرات متباينة في العلاقة بين واشنطن والفاتيكان خلال الأسابيع الأخيرة. فمن جهة، أثار إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ترحيبا واضحا من البابا لاوون الذي وصف الهدنة بأنها "علامة على أمل حقيقي"، مشددا على أن الطريق الوحيد لإنهاء الحرب يمر عبر العودة إلى المفاوضات الجادة. ومن جهة أخرى، تواصل إدارة ترامب الدفاع عن خيار استخدام القوة كوسيلة لحماية المصالح الأميركية وحلفائها، معتبِرة أن الضغط العسكري يشكل أداة ضرورية لردع إيران عن تطوير قدراتها النووية والصاروخية. هذا التباين بين منطق "الأمل عبر الحوار" الذي يطرحه الفاتيكان، ومنطق "الردع عبر القوة" الذي تتمسك به واشنطن، يجعل من الاشتباك الكلامي بين ترامب والبابا أحدث تجليات خلاف أعمق حول تعريف الأمن والاستقرار في النظام الدولي المعاصر
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96013312/trump-pape-...