تشير معطيات بحثية حديثة إلى أن الكلام اليومي آخذ في التراجع، لا بوصفه تغيرا عابرا في عادات التواصل، بل باعتباره نتيجة لتحول أوسع في الطريقة التي يقضي بها الأفراد شؤونهم ويتصلون بالآخرين. فالتكنولوجيا لا تكتفي بتسريع الخدمات وتبسيط المهام، بل تقلص أيضا عددا كبيرا من المحادثات القصيرة التي كانت ترافق الحياة العادية، مثل طلب وجبة، أو السؤال عن الاتجاهات، أو إتمام حجز، أو تبادل عبارات عفوية مع شخص لا نعرفه.
وخلص تحليل نُشر في يوليو في مجلة «برسبيكتيفز أون سايكولوجيكال ساينس» إلى أن الأميركيين وسكان عدة بلدان أخرى ينطقون، في المتوسط، بنحو 300 كلمة أقل يوميا مع مرور كل سنة. ويعادل ذلك ما بين دقيقتين وثلاث دقائق أقل من الكلام في اليوم. واعتمدت الدراسة على تسجيلات صوتية جُمعت في 22 بحثا شملت أكثر من ألفي مشارك، حملوا أجهزة تسجل مقتطفات من محيطهم اليومي على مدى عدة أيام. وبين عامي 2005 و2019، انخفض عدد الكلمات المنطوقة بنسبة 28 في المئة، وكان التراجع أوضح لدى من تقل أعمارهم عن 25 عاما.
ولا يفسر هذا الانخفاض بالرسائل النصية وحدها، على الرغم من حضورها الواسع في التواصل المعاصر. فالتحول يرتبط أيضا بتراجع ما يمكن وصفه بالتفاعلات الصغيرة التي لا تبدو مهمة في حد ذاتها، لكنها كانت تفرض قدرا من الحديث المباشر. فشاشات الطلب الذاتي في المطاعم، وتطبيقات الخرائط، والدفع الإلكتروني، وخدمات الحجز عبر الهاتف، كلها تجعل إنجاز المهمة ممكنا من دون تبادل كلام مع موظف أو مع شخص عابر. وتمنح هذه الوسائل المستخدم سرعة أكبر وتحكما أوسع، لكنها تحذف في المقابل فرصا يومية لتجريب المهارات الاجتماعية في سياقات غير رسمية.
وتطرح هذه النتيجة تساؤلات حول ما قد يخسره الأفراد عندما يصبح الكلام خيارا لا ضرورة. فإنتاج جملة عادية يتطلب من الدماغ استدعاء الكلمات وتنظيمها، والتنسيق بين عضلات النطق، وتلقي رد الطرف الآخر، ثم إعداد الاستجابة التالية في لحظات قصيرة. وتوضح الباحثة فاليريا بفايفر، التي قادت الدراسة، أن المحادثة الحية تضع مطالب خاصة على الذاكرة العاملة والانتباه، لأن المتحدث يتعين عليه متابعة ما يقال وتحديد ما يريد الرد به بينما يستمر في الإصغاء. أما الرسائل النصية والبريد الإلكتروني فيتيحان وقتا للمراجعة وإعادة الصياغة، كما يحتفظان بسجل مكتوب يقلل الحاجة إلى تذكر ما سبق في الحوار.
ولا تقدم هذه المعطيات دليلا على أن انخفاض الكلام يؤدي، بمفرده، إلى مشكلات عصبية أو صحية محددة. لكن المقال الذي عرض الدراسة يربط الظاهرة بسياق أوسع من تقلص اللقاءات المباشرة، وتراجع المشاركة في الأنشطة الجماعية والنوادي والمؤسسات المحلية. وتظل العلاقة السببية بين التغيرات الرقمية والكلام والعزلة مسألة تحتاج إلى بحث أدق، لأن مسار الانسحاب من الحياة العامة بدأ في الولايات المتحدة قبل انتشار الهواتف الذكية بوقت طويل.
ويرى كال نيوبورت، أستاذ جامعة جورجتاون المتخصص في تأثير التكنولوجيا في المجتمع، أن جزءا من المشكلة يكمن في أن التواصل المباشر قد يكون مرهقا أو محرجا، ولذلك تبدو البدائل الرقمية أكثر سهولة. غير أن الدماغ الاجتماعي، بحسب تحليله، يربط الوقت والاهتمام اللذين يمنحهما شخص لآخر بدليل على أهمية العلاقة. ومن ثم، فإن جعل التفاعل أسهل وأقل كلفة من حيث الجهد قد يقود، على نحو متناقض، إلى شعور أضعف بالترابط الاجتماعي.
وتقدم دراسات المقارنة بين وسائل التواصل دعما جزئيا لفكرة اختلاف التجربة العاطفية باختلاف الوسيط. ففي دراسة تجريبية شملت 58 طالبة جامعية، أجرت 29 ثنائيا من الصديقات المقربات أربع محادثات متشابهة: وجها لوجه، وعبر الفيديو، وعبر الصوت فقط، وبواسطة الرسائل الفورية. وأفادت المشاركات بالشعور بقدر من الترابط في جميع الحالات، لكن أعلى مستوى من الارتباط العاطفي ظهر في التواصل الحضوري، ثم محادثة الفيديو، فالمكالمة الصوتية، بينما سجلت الرسائل الفورية المستوى الأدنى.
ولاحظ الباحثون أيضا أن الاعتياد على وسيلة تواصل معينة قد يحسن الشعور بالترابط عند استخدامها. كما ارتبط توظيف الرموز التعبيرية والضحك المكتوب والتأكيدات النصية بزيادة الإحساس بالتقارب داخل المحادثات الفورية. ومع ذلك، لم تعوض تلك الإشارات تماما غياب عناصر الحضور المادي، مثل الابتسام والإيماءات وحركة الرأس وتبادل النظرات، التي تدخل في بناء الشعور بالاهتمام المتبادل بين الأصدقاء.
ولا تعني هذه النتائج أن الرسائل أو التطبيقات بدائل عديمة القيمة، أو أن كل تواصل رقمي يضعف العلاقات. فهي تتيح الحفاظ على الصلات عبر المسافات، وتوفر أدوات مناسبة لمن يواجهون قيودا زمنية أو جغرافية أو اجتماعية. لكن اتساع الخدمات التي تلغي الحاجة إلى الكلام يضع قيمة جديدة للمحادثات البسيطة. فعبارة قصيرة لسائق أو موظف أو جار قد لا تغير مسار اليوم، لكنها تظل تدريبا متكررا على الإصغاء والاستجابة وبناء الثقة خارج الدوائر المألوفة.
وفي عالم يزداد فيه الاعتماد على الواجهات الصامتة، لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى رفض الكفاءة الرقمية، بل بالانتباه إلى ما تستبدله هذه الكفاءة. إذ إن الكلمات التي لم تعد تقال ليست مجرد تفاصيل لغوية، بل جزء من شبكة التفاعل اليومي التي تربط الأفراد بالآخرين وتمنح التواصل الإنساني حضورا يتجاوز نقل المعلومة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97954696/daily-spee...