لم يعد حضور القضايا الدينية داخل غرف الأخبار على الصورة التي عرفتها الصحافة في مراحل سابقة، إذ تشير تحولات مهنية واقتصادية إلى تراجع واضح في التخصص، الأمر الذي انعكس مباشرة على طبيعة المعالجة الإعلامية للدين والإيمان. هذا التراجع لا يرتبط فقط بعدد الصحفيين المتخصصين، بل يمتد إلى الكيفية التي يُفهم بها الدين داخل المنظومة التحريرية، وما إذا كان يُنظر إليه كحقل معرفي قائم بذاته أو كموضوع ثانوي يُستدعى عند الضرورة.
التحولات الاقتصادية التي أصابت المؤسسات الإعلامية خلال العقدين الأخيرين دفعت نحو تقليص الموارد البشرية، وكان من بين أبرز نتائج ذلك تقلص عدد الصحفيين المتخصصين في مجالات دقيقة، من بينها الشأن الديني. هذا الوضع أدى إلى ما يُعرف بظاهرة "تفريغ التخصصات"، حيث أُسندت تغطية موضوعات معقدة إلى صحفيين عامين يفتقرون في الغالب إلى الخلفية المعرفية اللازمة لفهم السياقات الدينية المتشابكة. ومع انتقال هذه المهام إلى صحفيين غير متخصصين، تراجعت القدرة على تقديم محتوى دقيق ومتماسك، وتقلصت المسافة بين المعالجة الصحفية والانطباعات السطحية.
تغطية الدين تتطلب قدراً كبيراً من الإلمام بالتفاصيل الدقيقة، سواء تعلق الأمر بالنصوص أو بالممارسات أو بالبُنى الاجتماعية المرتبطة بها. غير أن ضغوط العمل اليومي وتسارع وتيرة النشر يقلصان من هامش التحقق والتدقيق، وهو ما يجعل المعالجة أقرب إلى التبسيط المخل. في مثل هذه الظروف، يصبح من الصعب تقديم روايات متوازنة تراعي التعقيد الداخلي للمسائل الدينية، وهو ما ينعكس على دقة المادة المنشورة وعلى قدرتها على تمثيل الواقع كما هو.
في موازاة ذلك، تراجع موقع الدين داخل أولويات غرف الأخبار، حيث بات يُعامل في كثير من الأحيان كموضوع محدود الحضور، لا يظهر إلا في مناسبات محددة أو عند وقوع أحداث استثنائية. هذا التوجه أسهم في إضعاف التغطية المنتظمة للقضايا الدينية، وحصرها في زوايا ضيقة، ما أدى إلى غياب المتابعة المستمرة للتطورات المرتبطة بالإيمان والممارسات الدينية في المجتمع.
ومع غياب التخصص، تبرز ظاهرة أخرى تتمثل في اعتماد بعض التغطيات على الخلفية الشخصية للصحفيين. ففي الحالات التي يمتلك فيها المراسل معرفة دينية سابقة، تظهر معالجة أكثر تفصيلاً، بينما تميل التغطيات الأخرى إلى الاختزال أو التجاهل. هذا التفاوت لا يعكس فقط اختلافاً في القدرات الفردية، بل يكشف أيضاً عن غياب إطار مهني موحد يضمن الحد الأدنى من الفهم المتخصص داخل المؤسسات الإعلامية.
عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في الحذر المفرط داخل غرف الأخبار عند التعامل مع القضايا الدينية. هذا الحذر، الذي يرتبط بالخوف من الوقوع في أخطاء قد تُفسر على أنها إساءة، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تجنب التناول أصلاً أو الاكتفاء بطرح محدود لا يقترب من جوهر الموضوع. ومع تصاعد حساسية الدين في الفضاء العام وتداخله مع السياسة، يصبح هذا التردد أكثر وضوحاً، ما يحد من قدرة الصحافة على أداء دورها التفسيري.
في ظل هذه المعطيات، تميل التغطيات غير المتخصصة إلى التركيز على الجوانب الأكثر إثارة، مثل النزاعات والخلافات، باعتبارها مواد سهلة التناول وتنسجم مع معايير الخبر السريع. في المقابل، تتراجع المساحات المخصصة لفهم التجارب الدينية اليومية أو تحليل الأبعاد الاجتماعية والروحية، ما يؤدي إلى صورة جزئية لا تعكس التعدد والتنوع داخل الظاهرة الدينية.
هذا المسار لا يقتصر تأثيره على جودة المنتج الإعلامي، بل يمتد إلى تشكيل تصور الجمهور للدين ودوره في المجتمع. فعندما تُختزل التغطية في زوايا محدودة أو تُبنى على معالجات سطحية، تتقلص قدرة الجمهور على إدراك التعقيد الحقيقي لهذه القضايا، وتترسخ صور نمطية قد لا تعبر عن الواقع بقدر ما تعكس محدودية المعالجة الصحفية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280976/taqalos-tak...










