☰

تحولات صفة المعلم في موسيقى كناوة بين الطقس والمسرح


الاثنين 5 أكتوبر 2026 à 12:17 |



تبحث دراسة للباحث جان بوشلون في التحولات التي طالت مكانة «المعلم» داخل تقاليد كناوة المغربية خلال العقود الخمسة الأخيرة، في سياق انتقال الموسيقى من فضاءات الطقوس المنزلية والزوايا إلى المسارح والمهرجانات وشبكات الهجرة. وتعتمد الدراسة على مسارات أربعة موسيقيين من أجيال متباينة، عاشوا أو اشتغلوا بين مراكش وباريس ومونتريال، لتبيان كيف أعيد تعريف هذه الصفة التي كانت تقتضي في السابق معرفة موسيقية وطقسية واسعة.



تقليديا، لم يكن لقب المعلم يطلق على عازف الكمبري المتمكن فحسب، بل كان يدل على موسيقي قادر على أداء الإيقاعات بالصناج والطبول، والغناء والرقص، وضبط ذخيرة الألحان الخاصة بالأرواح، وإدارة تسلسل طقوس الليلة. وكان المعلم يضطلع كذلك بدور شعائري قريب من دور المقدمة، بما يتيح له الإشراف على جانب من الممارسة التعبدية والعلاجية المرتبطة بالطقس. وتشير الدراسة إلى أن منح هذه المكانة كان يرتبط، في مراحل سابقة، بطقوس اعتراف وإدماج يقودها كبار الموسيقيين.

غير أن هذه الصيغ الاحتفالية لتكريس المعلمين تراجعت، بحسب ملاحظات الباحث وشهادات من داخل الوسط الكناوي. وأصبح التعلم يتم تدريجيا من خلال إتقان الآلات والغناء والرقص، مع مشاركة الشباب في المناسبات الطقسية كلما أتيحت لهم الفرصة. وفي نظر بعض المعلمين من الجيل الأقدم، أسهم انتشار التسجيلات وسهولة الوصول إلى الموسيقى في توسيع دائرة من يعلنون صفة المعلم من دون المرور بمسار التكوين التقليدي الطويل.


ويعرض البحث حالة سليمان في باريس، وهو موسيقي منحدر من عائلة ذات صلات قديمة بكناوة، بنى تجربته ضمن بيئة مهاجرة احتضنت طقوسا منزلية. وقد جمع مساره بين تعلم العزف على الكمبري والانخراط في تجربة مرتبطة بالتلبس والرقص الطقسي، كما استفاد من وجود أدوات الليلة داخل بيت والدته ومن علاقاته بموسيقيين قدموا من المغرب. وتبرز هذه الحالة أن الاعتراف بالمكانة في المهجر لا يتصل بالمهارة التقنية وحدها، بل أيضا بالانتماء العائلي والقدرة على تنظيم الممارسة الطقسية وصيانة شبكات العلاقات.

وفي مونتريال، يرصد الباحث تجربتي فتاح ورشيد، وهما موسيقيان شابان قدما من مراكش والدار البيضاء. ويظهر اللقب في محيطهما بمعنى أكثر مهنية، إذ يرتبط أساسا بمن يتولى العزف على الكمبري وقيادة الأداء الموسيقي. لكن الدراسة تؤكد أن طموحهما إلى الاحتراف وإقامة الحفلات وإصدار الأعمال الفنية لم يلغ علاقتهما بالليلة، إذ ظل الحضور في الطقوس وتنظيمها جزءا من شرعيتهما داخل الوسط الكناوي، حتى في بيئة يقل فيها عدد الموسيقيين وتتقلص فيها فرص التنافس.


أما في مراكش، فتقارن الدراسة بين عزيز «راستا» وعبد اللطيف «ولد سيدي عمارة». يجسد الأول نموذج الموسيقي القادر على العمل في الفرق الحديثة ومشاريع المزج الموسيقي، مع الحفاظ على نشاط منتظم في الليالي. ولا يحرص عزيز على تقديم نفسه بوصفه معلما، رغم تمتعه بمكانة موسيقية واضحة، ويفضل تعريف ذاته كموسيقي يتحرك بين السياقات الفنية والطقسية. في المقابل، يمثل عبد اللطيف جيلا أقدم يرتبط لديه معنى المعلم بذاكرة نمط عيش كامل، كانت فيه كناوة أقل انفصالا عن الممارسة الشعائرية وأكثر التصاقا بالانضباط الداخلي للجماعة.

وتخلص الدراسة إلى أن توسيع حضور كناوة في المسارح والاحتفالات العامة لم يجعل الموسيقى منفصلة عن بنيتها الطقسية. فقد باتت العروض غير الشعائرية تمثل جزءا كبيرا من نشاط الموسيقيين، كما اتسع جمهور الليالي ليشمل محبي الموسيقى إلى جانب من يقصدونها لأغراض علاجية أو روحية. ومع ذلك، تظل القدرة على إدارة الليلة، ومعرفة ترتيب مقاطعها وإيقاعاتها وعلاقاتها الرمزية، عنصرا أساسيا في الاعتراف بالمعلم. ومن ثم فإن التحول لم يلغ شروط الشرعية القديمة، بل أعاد توزيعها بين الكفاءة الموسيقية، والاحتراف، والانتماء إلى المجال الطقسي.


🔗 من شبكتنا

تعرّف على باقي منصات الشبكة العربية لمنصات المقالاتي.




المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/98258061...


: في نفس القسم