تحولات الذكاء الاصطناعي بين البيانات الضخمة والمجتمعات


Rédigé le الاثنين 22 يونيو/جوان 2026 à 11:19 | Lu 0 commentaire(s)



​يقدّم مقال «الثورة الرابعة» في «كورير اليونسكو» قراءة تقنية واستراتيجية للتقاطع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، انطلاقاً من تجربة الباحث الصيني يانغ تشيانغ ومساره في الصناعة والأوساط الأكاديمية. يستعيد النص اللحظة التي بدأ فيها هذا التقاطع يتبلور في بدايات الألفية، عندما اعتمدت منصات البحث والإعلانات مثل Google وBaidu على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة توصية موجهة، فاكتشفت أن زيادة حجم البيانات الفردية تحسّن دقة الاستهداف بشكل يفوق التوقعات، قبل أن يتضح لاحقاً أن المنطق نفسه قابل للتعميم في مجالات أخرى عديدة.



يتوقف المقال عند مشروع قاعدة الصور العملاقة ImageNet، المطوّرة بين جامعتي ستانفورد وبرينستون، بوصفه نقطة انعطاف في مسار «التعلم العميق»، إذ أدى توفر كميات هائلة من البيانات البصرية إلى خفض كبير في معدل الخطأ في التعرف على الصور، ما كشف عملياً قدرة الجمع بين التعلم العميق والبيانات الضخمة على معالجة مشكلات حسابية معقدة كانت تُعدّ خارج المتناول.

يعتمد يانغ تشيانغ في تفسيره للعلاقة بين التعلم العميق والبيانات على فكرة «التغذية المتبادلة»، حيث يصبح النظام الأكثر دقة أسهل استعمالاً وأكثر فائدة، فيستقطب المزيد من المستخدمين وينتج بالتالي المزيد من البيانات، التي تعود لتغذي النموذج وتحسّن أداءه. يذهب أبعد من ذلك بالحديث عن نشوء فئة جديدة يمكن تسميتها «البيانات الذكية»، أي بيانات مُهيكلة ومستمَدّة من تفاعل حي بين المستخدمين والأنظمة، وليست مجرد مخزون ثابت أو معزول.

في هذا التصور، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد طبقة برمجية فوق البيانات، بل يصبح جزءاً من دائرة مغلقة ديناميكية تجمع مزودي البيانات، ومقدمي الخدمات الرقمية، وآليات التغذية الراجعة الذكية، كما في نماذج الدفع الإلكتروني عبر الهاتف أو منصات التجارة الإلكترونية الصينية. يقدّم المقال مفهوم «الحلقة المغلقة» كاختراق في تصميم الخدمات الرقمية، حيث تُسجَّل سلوكيات المستخدمين بشكل منهجي، وتُحلَّل آنياً لتوليد خدمات أو توصيات أو قرارات آلية تعود بدورها لتعديل سلوك المستخدم وتوليد بيانات جديدة.

هذه الحلقة لا تُعدّ فعّالة إلا إذا كانت مؤتمتة بالكامل تقريباً، وتُحدَّث عدة مرات في اليوم، وتُبقي المستخدم منخرطاً بحيث لا ينقطع تدفق البيانات. يوضح يانغ أن الشركات التي تريد الاستفادة من هذا النموذج مطالَبة أولاً بتفكير استراتيجي في طرق جمع البيانات وتحديد الاحتياجات الخوارزمية بدقة، مع تنويع مصادر البيانات وتصميم الخدمات منذ البداية بحيث تشجّع على إنتاج بيانات مفيدة، لا مجرد استهلاك سلبي للخدمات.

على مستوى التحولات الاقتصادية، يقترح المقال مساراً على مرحلتين: في الأولى، تعتمد القطاعات القائمة تقنيات منفردة للذكاء الاصطناعي مثل التعرف على الوجه في الأمن أو نماذج التنبؤ بالمخاطر في البنوك، ويبقى الذكاء الاصطناعي فيها أداة م added إلى بنية سابقة. في الثانية، يولّد الذكاء الاصطناعي قطاعات جديدة يكون فيها هو البنية الأساسية، مثل مؤسسات مالية تترك للأنظمة الذكية إدارة القرارات الاستثمارية والائتمانية وخدمات الزبائن، مع تدخل بشري محدود في ضبط المعايير.

يستحضر المقال مثال التحول من المكتبات التقليدية التي اكتفت بموقع بسيط على الويب، إلى منصات رقمية بحتة من نوع Amazon، ليشير إلى أن القطيعة الحقيقية لا تأتي من «رقمنة» نموذج قديم بل من بناء نموذج اقتصادي جديد انطلاقاً من القدرات التقنية.

في المحور المعياري، يركّز النص على أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لا يمكن تعميمه اقتصادياً من دون معالجة ممنهجة لمسائل الخصوصية والعدالة. يقترح يانغ إطاراً ثلاثي الأبعاد: أوله وضع قواعد اجتماعية وقانونية واضحة لملكية البيانات وتحديد حالات الاستخدام المسموح بها، عبر تصنيف للبيانات إلى فئات «حمراء» محمية بالكامل، و«صفراء» ذات وصول محدود، و«خضراء» متاحة، مع الإشارة إلى غياب توافق عالمي وقواعد صارمة للمساءلة والعقوبات.

ثانيه تطوير أدوات تقنية لحماية الخصوصية، مثل النماذج المنقولة بين المؤسسات التي تسمح بالاستفادة من نموذج متدرّب من دون تبادل البيانات الخام، وهو ما تعمل عليه شركات مثل النموذج الرابع  في بكين من خلال مقاربات قريبة من التعلم النقلي لحماية البيانات. أما البعد الثالث فيتعلق ببحث العلاقة بين خصوصية المستخدم وتسعير البيانات، بما في ذلك الأسئلة حول ما إذا كان ينبغي تقاسم عائدات الإعلانات أو دخل محركات البحث مع المستخدمين الذين تشكّل بياناتهم مادة أساسية لهذه النماذج الاقتصادية.

من منظور جيواقتصادي، يطرح المقال فرضية أن جمع البيانات واستغلالها السريع يمكن أن يسمح لبعض الاقتصادات الصاعدة بتجاوز اقتصادات متقدمة، حيث تعتبر سرعة الانتقال إلى «اقتصاد البيانات» عاملاً تنافسياً مركزياً. يستشهد الكاتب بحالة الصين التي استفادت من الانتشار الواسع للإنترنت والإنترنت المحمول لتكوين مخزون ضخم من البيانات، ما من شأنه تسريع نمو قطاع الذكاء الاصطناعي لديها وإعادة ترتيب موازين القوة التقنية.

في المقابل، يُرى أن البلدان ذات البنية التحتية الراسخة ونظم التعليم المتطورة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيتها، على غرار الدور الذي لعبته الآلة البخارية في منح أفضلية لبعض الدول خلال الثورة الصناعية الأولى، وفق تقارير مؤسسات دولية مثل الأونكتاد حول الثورة الصناعية الرابعة.

يتقاطع هذا التصور مع أعمال أخرى صادرة عن «كورير اليونسكو» ترى أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على كونه «ثورة صناعية رابعة» بل يساهم في تحول ثقافي يمس أنماط التعلم واللغة والإبداع، ويطرح مجموعة واسعة من الإشكالات الأخلاقية المرتبطة بالمراقبة، والتحيز، واستخدام التطبيقات العسكرية والشرطية. كما يلتقي مع دعوات متكررة من اليونسكو إلى تطوير أطر معيارية دولية لضمان تطوير مسؤول للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك توصيات متخصصة حول الحوكمة والأبعاد الحقوقية.

في هذا السياق، يأخذ حديث يانغ تشيانغ عن «البيانات الذكية» و«الحلقات المغلقة» بعداً يتجاوز التصميم التقني، ليصبح جزءاً من نقاش أوسع حول توزيع القيمة والسلطة في اقتصاد تحركه البيانات والنماذج الخوارزمية.




المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...


: في نفس القسم