تستيقظ ميلاني تشالنجر قرابة الرابعة فجراً، فتمتدّ يدها إلى الهاتف وتتنقّل بين التطبيقات بلا غاية سوى العادة. بهذا المشهد المألوف تفتتح الكاتبة البريطانية مقالاً نشرته مجلة «إيون» في 13 أكتوبر 2026 بعنوان «تجريد الجسد من مهاراته»، تتساءل فيه عمّا تفعله التقنيات التي نوكل إليها يوماً بعد يوم مزيداً من أعمالنا بقدراتنا الجسدية والذهنية. وتشالنجر باحثة ومؤلفة كتب عن الطبيعة ومكانة الإنسان فيها، من بينها «كيف تكون حيواناً» (2021) و«حيّ» (2026)، وتشغل منصب نائبة رئيس الجمعية الملكية البريطانية لمنع القسوة على الحيوانات.
تستعيد الكاتبة زمناً كانت تكتب فيه بخط اليد وتركّز ساعات متواصلة، ترفع خلالها رأسها عن الورقة لتتأمل ما وراء النافذة. أما اليوم فتستمدّ دفعات إنتاجها من القهوة والوجبات الخفيفة وتفقّد البريد الإلكتروني، وينقضي يومها مسمّرة أمام الشاشة من دون أن تجد وقتاً للمشي أو الركض. وتعترف بأنها تحوّلت خلال جائحة كوفيد-19 من شخص يقضي ساعات في الطبيعة إلى مستخدم سلبي مدمن على هاتفه، يلتقي الناس عبر الشاشة أولاً، وأحياناً عبرها فقط. وهي تجربة تقول إنها ليست وحدها فيها.
قدرات تذبل بالإهمال وأخرى يُعاد تدريبهاتنطلق تشالنجر من فرضية مفادها أننا انزلقنا إلى عادات تجرّد الجسد البشري تدريجياً من قدرات صقلها التطور لتدعم عافيتنا ونحن نتحرك في العالم. ويجري ذلك وفق آليتين: الأولى هي الإهمال، إذ صرنا نعتمد على الهاتف، ثم على الذكاء الاصطناعي، لإنجاز ما كان يتطلب جهداً جسدياً، كالتلفّت حولنا، أو سؤال أحدهم، أو البحث عن كتاب ومراجعته. فنحن، بحسبها، نمارس لحظة بعد لحظة قدراً أقل من الإحساس والاهتداء والتذكّر والمشي والاختيار والانتباه. أما الآلية الثانية فهي إعادة التدريب: فالهواتف وبرامج الدردشة قادرة على تعويدنا مدّ اليد إليها حتى بعد أن نكفّ عن الاستمتاع بها، فيتحوّل الاختيار الواعي إلى عادة آلية.
والنتيجة جسد أقل قدرة على تقدير حاله والارتجال وتنظيم ذاته. غير أن الكاتبة لا تدين التقنية في المطلق، بل تميّز بين أدوات تعزّز قدراتنا، وأخرى تحلّ محلّ الأفعال ذاتها التي تتكوّن بها تلك القدرات.
لا تحمّل تشالنجر الآلات وحدها مسؤولية هذا التراجع، بل ترى أن المجتمعات الحديثة تشرّبت منذ قرون فكرة أن الإنسان نفسه آلة. فقد وصف رينيه ديكارت الجسد بأنه آلة تحكمها القوانين الفيزيائية، ورأى أن حيوانات كالديدان والذباب واليرقات تتحرك حركة آلية، لكنه أفرد للعقل المفكّر منزلة مستقلة عن الجسد. ثم أعادت ثورة «السيبرنيطيقا» في منتصف القرن العشرين صياغة هذه المقارنة بلغة المعلومات، إذ تنبّأ عالم الحاسوب الأمريكي نوربرت فينر، في كتابه «الاستخدام البشري للبشر» (1950)، بأن الرسائل المتبادلة بين الإنسان والآلة ستؤدي دوراً متعاظماً، ووصف البشر بأنهم أنماط تديم نفسها أكثر منهم مادة ثابتة.
وفي كتابه «أسس علم سلوك الحيوان» (1981)، شبّه عالم الحيوان النمساوي كونراد لورنتس سلوك الحيوان بتسلسل حركات الساعة في صرامة برمجته. ثم مضى مفكرو تيار «ما بعد الإنسانية» أبعد من ذلك، فتخيّلوا تقنيات تنقل العقل إلى حاسوب. وتتساءل الكاتبة: إذا كان الجسد مجرد عتاد، فلماذا لا نستبدل به نموذجاً أفضل، أو نتخلّص منه كلياً؟ وفي نظرها، ليس الذكاء الاصطناعي سوى أحدث صور نزوع قديم إلى الإفلات من هشاشة الجسد. والمفارقة أن مشروعاً يحرّكه السعي إلى تجاوز الضعف البدني يسهم في إنتاج أجساد أكثر هشاشة، لأن كل فعل تتولاه الآلة عنّا فعلٌ لم يعد الجسد، والدماغ جزء منه، يؤديه أو يتعلم من خلاله.
الكائن الحي يصون نفسه والآلة تصنع غيرهاتستند تشالنجر إلى أبحاث في بيولوجيا الأنظمة تذهب إلى أن الحياة والذكاء ينبثقان من التنظيم الفريد لأجساد تحافظ على ذاتها، لا من نماذج مجردة للمعلومات والخوارزميات. فالجينات، وإن حملت جزءاً من المعلومات التي تشكّل أجسادنا، لا يمكن فهمها بمعزل عن الكائن الحي الذي تعمل داخله، وكثير من التحولات في وظائف الخلية أو الجسد تنشأ من النظام بأكمله.
وتميّز الكاتبة بين نوعين من الأنظمة: الآلات «غيرية الإنتاج»، تحرّك الطاقة وتصنع شيئاً غير ذاتها، والكائنات الحية «ذاتية الإنتاج»، تبذل الطاقة لتصون تنظيمها وتعيد بناء نفسها وتقاوم الذوبان في محيطها. ولهذا تنفّذ الآلات المهام، بينما تسعى الكائنات الحية إلى غايات. وتضرب مثلاً بالعطش: فقبل أن نقرّر واعين أن نشرب، تنكمش خلايا عصبية حساسة لتركيز السوائل في منطقة «تحت المهاد» من الدماغ مع خروج الماء منها، فتنفتح قنوات أيونية يدخل عبرها الصوديوم ثم الكالسيوم، وتُطلق نواقل عصبية تنقل الإشارة من خلية إلى أخرى إلى أن يتحوّل الإحساس بالعطش إلى حركة نحو الماء. فالجسد، بتنظيمه المادي نفسه، يقيّم ويقرّر.
غير أن الخصائص نفسها التي تمنح الكائنات الحية ذكاءها قد تنقلب ضدها إذا دُرّبت مراراً في بيئات ضارة. وتستشهد الكاتبة بدراسة وجدت أن تثبيت الساق أسبوعاً واحداً يكفي لتقليص حجم عضلة الفخذ بنحو 5 في المئة، وبأخرى لاحظت أن نشاط الخلايا العصبية المتحكمة في عضلة الساق يبدأ بالتراجع بعد خمسة عشر يوماً من عدم الاستعمال.
وينطبق المنطق ذاته على الاهتداء إلى الطريق. فنحن نعرف موقعنا وطريقنا بفضل منظومة حسية متكاملة: تدفّق الصور على الشبكية ونحن نتحرك، ومستقبلات في العضلات والأوتار والمفاصل ترصد حركة الأطراف، وإشارات من الأذن الداخلية عن الاتجاه والتوازن، إلى جانب المعالم وذكريات الرحلات السابقة. أما نظام تحديد المواقع (GPS) فيجعل التنقل أيسر وأقل استهلاكاً للطاقة، لكنه يقدّم من الخارج معلومات كنا سنستخلصها بأنفسنا. وقد أظهرت دراسات أن التنقل الفعلي في مكان ما يمنح معرفة مكانية أفضل من مشاهدة الرحلة نفسها على شاشة. وفي دراسة طولية تابعت ثلاثة عشر مستخدماً لنظام تحديد المواقع على مدى ثلاث سنوات، سجّل هؤلاء تراجعاً أسرع في الذاكرة المكانية المرتبطة بـ«الحُصين» مقارنة بمجموعات لم تعتمد عليه.
الكتابة فعل جسدي أيضاًترى تشالنجر أن شيئاً مشابهاً قد يحدث مع الاعتماد المتزايد على أدوات مثل «تشات جي بي تي». فصياغة الأفكار، كتابةً أو كلاماً، فعل حيّ يشارك فيه الجسد: نبحث عن الكلمة، وننطقها، ونسمعها، ونصحّحها، وتشترك في ذلك مناطق متعددة من أجسادنا. وتشير الكاتبة إلى دراسة وجدت أن النسخ السلبي لنصوص مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلافاً لكتابة مسودة أولى ثم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراجعتها، يُضعف ثقة الشخص بقدرته على أداء المهمة لاحقاً من دون مساعدة. فالتنفيذ الفعلي هو ما يبني المهارة، ولذلك يختلف استخدام الذكاء الاصطناعي لمراجعة نص كتبناه اختلافاً جوهرياً عن تكليفه بكتابته عنّا. وتؤكد أن الأدوات الحاسوبية ليست سيئة أو عديمة الفائدة في ذاتها، لكن قدرتنا وإرادتنا تتأثران متى حلّت محلّ الجهد الجسدي.
وتصف الكاتبة ما يحدث لها بعد يوم كامل أمام المكتب: تشعر كأن ذهنها قبضة مشدودة داخل جمجمتها، فتخرج لتصعد الطريق نحو تلّة تطلّ على الوادي. ومع الضوء والنسيم وأصوات الطيور ترتخي القبضة وتتدفق الأفكار. وتردّ ذلك إلى تحولات جسدية ملموسة: تسارع نبض القلب الذي يدفع الأكسجين والمغذيات إلى الأنسجة والدماغ، وانقباض العضلات الذي يخلّص الدم من بعض السكريات والدهون، وكل خطوة تدمج التوازن والحواس والقوة العضلية في توقّع ما سيأتي. وتخلص إلى أن أفكارنا تنبثق من ذكاء الجسد ووعينا بالعالم بقدر ما تنبثق من رموز مجردة على الشاشة.
تلفت تشالنجر إلى أن التقنيات التي نرتبط بها اليوم تفتقر إلى الباطن المعقّد الذي ينبثق منه الذكاء الحقيقي: لا جسد، ولا اهتمامات تتشكّل ذاتياً، ولا أيض أو تنظيم يحفظ البقاء. ومع ذلك نلجأ إليها لأنها صُمّمت لتخفيف عناء اكتساب المهارات أو لتعدنا بإنتاجية أعلى، والأخطر أنها تحاكي مظهر الكائنات الحية وسلوكها. وتستشهد الكاتبة بتحليل أعدّته عالمة النفس كلارا كولومباتو والفيلسوف جوناثان بيرش وعالم الأعصاب ستيفن فليمنغ، خلص إلى أن التعرّض لهذه الأنظمة يزيد ميل الناس إلى نسبة قدرات ذهنية إليها، وبدراسة أخرى أشرف عليها الباحث ياوشي شي وزملاؤه، وجدت أن محادثات منتظمة مدتها خمس دقائق مع ذكاء اصطناعي حول شؤون شخصية أدّت إلى تراجع طفيف لكنه ملموس في تفضيل طلب الدعم من البشر.
فالأنظمة التي باتت تنسّق سلوكنا لا تتعب ولا تجوع ولا تشعر بالوحدة، لكنها تنظّم سلوك كائنات تعيش ذلك كله. وتصفها الكاتبة بأنها «طفيليات» تحاكي الفاعلية بينما تتغذّى على فاعليتنا. صحيح أن البشر طالما أوكلوا جزءاً من إرادتهم إلى بُنى مشتركة كالقوانين ونظم الصحة العامة والمؤسسات، وغالباً ما عاد ذلك عليهم بالنفع، لكن تقنيات اليوم، بحسب تشالنجر، تستحوذ على الانتباه، وتتنبأ بالسلوك، وتؤتمت الاختيار، وتحوّل نزواتنا إلى أرباح، وهي في الغالب غير معنية بازدهارنا. بل إن التقنيات التي توهمنا بالتحرّر من الجسد تقوم على المناجم واليد العاملة الرخيصة وتخلّف كلفة بيئية على الكوكب. وإذا أضعفت حلقة التغذية الراجعة بين أجسادنا والعالم، فقد نصبح أقل إحساساً بما يفعله العالم بنا، وبما تفعله أفعالنا بالعالم.
انفصال الاشتهاء عن المتعةوتستند الكاتبة إلى أعمال عالم الأعصاب كِنت بيريدج وزملائه، التي بيّنت أن أنظمة الدماغ المسؤولة عن الاستمتاع بالشيء، وتلك التي تدفعنا إلى طلبه، قد تتباعد، فيصير ما نشتهيه على خلاف ما نستمتع به فعلاً. كما تصف نماذج مؤثرة في تفسير الإدمان انتقالاً تدريجياً للتحكم من القشرة الجبهية الأمامية إلى «الجسم المخطط»، وهي منطقة عميقة في الدماغ ترتبط بالأفعال التي تصير آلية مع الوقت؛ أي انتقالاً من ضبط النفس الواعي إلى سيطرة العادة. وترى تشالنجر أن الإدمان لم يعد يقتصر على مواد كالكحول والنيكوتين، بل قد يمتد إلى الهواتف الذكية وبرامج الدردشة، وأن المواهب الجسدية التي تتيح لنا التعلّم قد تدرّبنا على أنماط تحدّ من حريتنا في التصرف على نحو آخر.
ذكاء يتقاسمه كل ما هو حيّتخلص الكاتبة إلى أن تجريد الجسد من مهاراته هو في جوهره فقدانٌ للثقة بمعنى أن نكون أحياء، وأن حياة الجهد والاحتكاك ليست قدراً لا مفرّ منه فحسب، بل هي مصدر ذكائنا. فهذا الذكاء يتغذّى من التواصل الدائم بين الجسد والعالم، ونتقاسمه مع سائر الكائنات: فالبكتيريا تستشعر الفروق الكيميائية وتحتفظ بذاكرة جزيئية قصيرة وتعدّل حركتها، والأشجار والأعشاب تعدّل نموّها ودفاعاتها بناءً على تجاربها السابقة. ومع ذلك ينظر كثيرون إليها بوصفها أدنى من البرامج الحاسوبية التي اخترعناها، وهو حكم ترى الكاتبة أن الأدلة المتاحة لا تسنده. وتختم بتحذير مفاده أن من يفقد القدرة على الاهتداء في العالم، وعلى أن يتذكّر بجسده كيف يتصرّف، لن تحرّره التقنية بل ستتحكم فيه.
ويبقى مقال تشالنجر اجتهاداً فكرياً يمزج بين التجربة الشخصية والفلسفة ونتائج بحثية متفاوتة القوة؛ فبعض الدراسات التي تستند إليها محدودة العيّنة، كدراسة نظام تحديد المواقع التي شملت ثلاثة عشر مشاركاً، وبعضها حديث لم تتراكم حوله بعدُ أبحاث مؤكِّدة. لكنه يطرح سؤالاً يزداد إلحاحاً مع انتشار الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية: أيّ الأدوات تعزّز قدراتنا، وأيّها تنوب عنّا في الأفعال التي تصنع تلك القدرات؟
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
يان لوكون في «سيانس بو»: النماذج اللغوية ليست الطريق إلى الذكاء البشري «ورش العمل الرقمية»: الجيش الخفي من عمّال الجنوب الذي يصنع الذكاء الاصطناعي الذكاء الاصطناعي بين التحذير من مخاطره ورفض سيناريو الفناء الذكاء الاصطناعي التوليدي: تاريخ فقدان السيطرة (الخبر)المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98544873/d...