تقدم نتائج ما يُعرف بـ"الدراسة العالمية للإيمان والإعلام" صورة مركبة لطبيعة العلاقة بين الجمهور والتغطية الصحفية للقضايا الدينية في بيئتين عربيتين بارزتين، مع اختلافات تتصل بالبنية الاجتماعية، وتقاليد غرف الأخبار، وحدود المعالجة المهنية. وتضع هذه النتائج مصر والسعودية في مسارين متمايزين من حيث تصنيف الجمهور وأنماط الإنتاج الإعلامي، مع تقاطعات محدودة في مستوى الاهتمام العام بالدين بوصفه موضوعاً إعلامياً.
في الجانب المنهجي، اعتمدت "الدراسة العالمية للإيمان والإعلام" (التي أجرتها مؤسسة HarrisX بالتعاون مع Faith and Media Initiative عام 2022) على شقين: استطلاع كمي شمل نحو 9489 شخصاً في 18 دولة حول العالم، ومقابلات نوعية معمقة مع أكثر من 30 صحفياً ومحرراً في 17 دولة، من بينها السعودية. وقد أتاحت هذه المقابلات فهماً أدق لآليات التحرير داخل المؤسسات الإعلامية السعودية عند تناول الشأن الديني. أما بخصوص مصر، فلم يتسنَّ التأكد من إدراجها ضمن الدول المشمولة بهذه الدراسة الدولية تحديداً؛ غير أن معطيات محلية وتغطيات إعلامية أخرى تشير إلى ارتفاع الطلب على المحتوى الديني لدى الجمهور المصري، وهو ما يتقاطع مع نقاش أوسع حول الفجوة القائمة أحياناً بين التدين الاجتماعي وحجم تمثيله في وسائل الإعلام، كما يشير إليه تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية بشأن تحولات الثقة وأنماط المتابعة الإعلامية عموماً.
تنعكس هذه الخلفية على أسلوب التغطية. في الحالة السعودية، يميل الصحفيون إلى اعتماد مقاربة تقريرية مباشرة عند تناول الشأن الديني، تقوم على نقل الوقائع دون توسع في التحليل أو استضافة تفسيرات متعددة. هذا النمط يضع الأخبار الدينية ضمن خانة المواد الخبرية الصلبة التي تُصاغ بإيجاز وبلغة محايدة، مع تجنب الانخراط في نقاشات فقهية أو جدلية قد تفتح مساحات تأويلية واسعة. ويبدو هذا الخيار التحريري متسقاً مع بيئة تنظيمية واجتماعية تعطي وزناً كبيراً للثوابت الدينية، وتحد من هامش الاجتهاد الصحفي في هذا المجال.
في المقابل، تكشف بيانات محلية عن طلب مرتفع على المحتوى الديني لدى الجمهور المصري، إذ يصرح كثيرون بمتابعة مصادر متخصصة في هذا الحقل. كما تُظهر المؤشرات استعداداً واسعاً للتفاعل مع تغطيات معمقة، سواء عبر القراءة أو الاشتراك أو المتابعة المنتظمة، إذا ما توفرت جودة تحريرية ومعالجة متوازنة. هذا الإقبال يضع المؤسسات الإعلامية أمام فرصة لتطوير منتجات صحفية متخصصة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بكيفية تقديم محتوى ديني دون إثارة حساسيات أو خلق استقطاب.
وتتجلى الضغوط المهنية بصورة مختلفة في البلدين. في مصر، يرتبط التحدي بوجود شعور بالقلق لدى شريحة معتبرة من الجمهور عند تناول قضايا الإيمان إعلامياً، ما يفرض على الصحفيين موازنة دقيقة بين العمق والتحفظ. أما في السعودية، فيتمثل التحدي في حدود الاقتراب من الموضوعات الدينية ذات الطابع الحساس، حيث يفضل العديد من الصحفيين الاكتفاء بالعرض الوقائعي تفادياً لأي تأويل قد يُفهم على أنه مساس بالثوابت.
توضح هذه المعطيات أن الفارق لا يتعلق فقط بدرجة التدين أو الاهتمام، بل ببنية المجال الإعلامي نفسه: من جهة، سوق جماهيرية واسعة في مصر تبحث عن محتوى ديني متقدم؛ ومن جهة أخرى، نموذج مهني في السعودية يركز على الضبط والدقة والاقتصاد في التفسير. وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح التغطية الدينية في الإعلام العربي، ضمن توازن معقد بين الطلب المجتمعي والاعتبارات التحريرية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280596/egypt-saudi...










