ما الذي حدث فعلاً؟ تأسست أنثروبيك سنة 2021 على يد مجموعة من الكوادر والباحثين السابقين في OpenAI، أبرزهم داريو أموداي، الذي كان نائباً لرئيس قسم الأبحاث، وشقيقته دانييلا أموداي، التي كانت مسؤولة عن السلامة والسياسات. لم يكن جميع المؤسسين من خلفية "السلامة" حصراً، بل ضمّت المجموعة أيضاً باحثين في الأبحاث الأساسية والهندسة والسياسات العامة وقابلية تفسير الشبكات العصبية، من بينهم جاريد كابلان وسام مكاندليش وتوم براون وكريس أولاه وجاك كلارك وبن مان.
اختارت أنثروبيك منذ البداية وضعاً قانونياً خاصاً هو "شركة نفع عام" (Public Benefit Corporation)، وهو نوع من الشركات الربحية التي يحق لإدارتها قانونياً أن تأخذ بعين الاعتبار مهمة ذات منفعة عامة، وليس فقط تعظيم عائد المساهمين. ومن المهم التوضيح أن الشركة لم تدافع يوماً عن فكرة وقف تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم أو تجميده؛ بل سعت إلى بناء نماذج متقدمة -وكلود هو ثمرة هذا المسار- مع إعطاء أولوية معلنة لمواءمة النماذج وتقييم المخاطر وقابلية التفسير.
أما عبارة "استقال سبعة باحثين في آنٍ واحد" فهي على الأرجح أكثر إثارة مما تحتمله الوقائع. تذكر بعض المصادر الموثوقة، مثل ويكيبيديا، أن الشركة تأسست على يد سبعة موظفين سابقين في OpenAI، بينما تُدرج مصادر أخرى، مثل تقرير Contrary Research، ثمانية أسماء كمؤسسين رئيسيين، بحسب ما إذا كانت القائمة تشمل النواة الأولى أو مجموع من غادروا بشكل متقارب أو المسجلين قانونياً كشركاء مؤسسين. الأدق إذن الحديث عن مغادرة جماعية ومتقاربة زمنياً لكوادر من OpenAI امتدت من أواخر 2020 إلى بداية 2021، وليس استقالة سبعة أشخاص في يوم واحد بمعناها الحرفي؛ فالمصادر العامة لا تسمح بالجزم بأن الأمر كان قراراً واحداً منسقاً وبتاريخ موحّد.
لا يبدو أن الخلاف كان مجرد نزاع شخصي، ولا رفضاً لتطوير نماذج قوية، بل كان يتمحور حول طريقة إدارة تقنية تتطور قدراتها بسرعة كبيرة. ويمكن تلخيص منطق المجموعة المؤسسة في أربعة محاور: أولاً الحوكمة، عبر تصميم بنية يمكن فيها -قانونياً على الأقل- معارضة المصلحة العامة لمنطق الربح وحده؛ ثانياً السلامة، من خلال جعل تقييم السلوكيات الخطرة ومواءمة النماذج ومتانتها محوراً أساسياً في البحث والتطوير؛ ثالثاً فهم النماذج، عبر الاستثمار في قابلية التفسير لفهم الآليات الداخلية للشبكات العصبية بدل الاكتفاء بقياس أدائها؛ ورابعاً النشر، من خلال تسويق نماذج متقدمة لكن مع ضوابط وسياسات استخدام وآليات تحكم أكثر تنظيماً.
تجسّد هذا التوجه لاحقاً في مفهوم "الذكاء الاصطناعي الدستوري" (Constitutional AI): فبدلاً من الاعتماد فقط على تقييمات بشرية لتصحيح سلوك النموذج، تدرّب أنثروبيك نماذجها أيضاً على تقييم نفسها ومراجعتها وفق مجموعة صريحة من المبادئ. وهذه في جوهرها مقاربة حوكمة تقنية، تهدف إلى جعل معايير السلوك أكثر وضوحاً وقابلية للمراجعة ومدمجة في عملية التدريب نفسها.
الخلاصة التحريرية: رواية "غادروا OpenAI ليؤسسوا ذكاءً اصطناعياً أخلاقياً" مفيدة، لكنها ناقصة. فأنثروبيك ليست بديلاً هامشياً أو غير ربحي عن نموذج شركات التقنية الكبرى، بل هي شركة تجارية تعمل على نماذج متقدمة، مدعومة من مستثمرين كبار جداً، وتخوض منافسة صناعية مباشرة مع OpenAI وغوغل وxAI ومختبرات أخرى. الفارق الذي تدّعيه الشركة يتعلق إذن أقل بالقوة المستهدفة وأكثر بـ"نظرية التحكم": كيف يمكن بناء ذكاء اصطناعي قوي جداً وحوكمته واختباره ونشره من دون ترك المنافسة التجارية والمالية وحدها تقرر مستوى المخاطرة المقبول. وضع "شركة النفع العام" يمنحها هامشاً قانونياً ورمزياً، لكنه لا يضمن وحده أن تصمد الشركة أمام كل الضغوط التجارية.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...