في الساعات الأولى من الصباح، حين تكون شوارع هانوي لا تزال هادئة قبل أن يجتاحها زحام الدراجات النارية، تخرج امرأة في الرابعة والستين من عمرها على دراجتها الهوائية، لتبدأ جولة يومية تجمع خلالها الكرتون والبلاستيك والمعادن من بيوت المدينة ومتاجرها. هذا المشهد المتكرر هو نقطة انطلاق فيلم "من طين في الأسفل، شمس في الأعلى" للمخرجة الهولندية المقيمة في هانوي كايت فيليفوي، الذي لا يكتفي بتوثيق يوميات امرأة واحدة، بل يفتح، من زاوية سوسيولوجية، نافذة على منظومة عمل غير رسمية بأكملها تقوم عليها آلاف النساء المسنّات في فيتنام.
بطلة الفيلم امرأة تُعرف باسم بِي (Bể)، تجوب أحياء هانوي منذ سنوات طويلة بحثاً عن المواد القابلة لإعادة التدوير: ورق، عبوات بلاستيكية، معادن خفيفة وثقيلة. لا تملك بِي عقد عمل ولا تأميناً اجتماعياً ولا معدات وقاية، لكنها راكمت عبر عقود من العمل خبرة جعلت منها، بحسب ما يُظهره الفيلم، شاهدة صامتة على تحوّل فيتنام من اقتصاد الندرة إلى اقتصاد استهلاكي متسارع، من خلال ما تلتقطه عيناها في صناديق القمامة وعلى الأرصفة.
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن قراءة عمل بِي بمعزل عن بنية أوسع يُطلق عليها الباحثون في العلوم الاجتماعية "الاقتصاد غير الرسمي": نشاط اقتصادي منتج وضروري، لكنه يقع خارج أطر التنظيم القانوني والحماية الاجتماعية. في فيتنام، يحمل جامعو الخردة تسميات محلية مثل "دونغ نات" (النحاس المكسور) أو "في تشاي" (الزجاجات)، بحسب دراسة نشرها مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت في آسيا حول البعد الجندري لهذا القطاع. وتقدّر الدراسة نفسها أن أكثر من 30٪ من النفايات في فيتنام تُجمع عبر هذه القنوات غير الرسمية، في وقت تنتج فيه البلاد نحو 60 ألف طن من النفايات المنزلية يومياً، أكثر من 60٪ منها في المناطق الحضرية.
العنصر الجندري هنا ليس تفصيلاً هامشياً بل بنية مركزية: تُظهر دراسة مؤسسة فريدريش إيبرت أن غالبية جامعي النفايات غير الرسميين في فيتنام من النساء، وأن هذا العمل يجذب أساساً نساءً مهاجرات من الأرياف أو نساءً مسنّات يجدن فيه مرونة في ساعات العمل تتيح التوفيق بين رعاية الأسرة وكسب الدخل. ويؤكد تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان "المحاربات الخضراوات" هذا النمط: في هانوي وحدها، تجمع قرابة عشرة آلاف امرأة البلاستيك القابل لإعادة التدوير، وتتراوح أعمار غالبيتهن بين 40 و70 عاماً. وتقول إحدى العاملات اللواتي استشهد بهن التقرير، نغوين تي لان: "لا أريد أن يُساء فهم هذا العمل أو أن يُنظر إليه كعمل سيئ. إنه عمل يساعد في الحفاظ على بيئة نظيفة وخضراء."
يمثّل هذا الجيش من العاملات، رغم افتقاره إلى أي غطاء مؤسسي، عصب منظومة إعادة التدوير في فيتنام. فبينما تنتج البلاد نحو 1.8 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنوياً، لا يُعاد تدوير سوى ما بين 11٪ و27٪ منها بحسب مصادر مختلفة، ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن ما يقارب 90٪ من كميات البلاستيك التي تُعاد فعلاً إلى دورة الاستخدام يمر عبر أيدي عاملات وعمال غير رسميين تماماً مثل بِي، قبل أن يصل إلى أي مصنع أو مركز تدوير رسمي.
رغم هذا الدور الوظيفي الحيوي، تظل هذه الفئة محاصرة بوصم اجتماعي واضح: يُنظر إلى عملها في كثير من الأحيان باعتباره "جمع قمامة" لا يليق بصورة المدينة الحديثة الصاعدة، وهو ما يحرم هؤلاء النساء من الاعتراف الرمزي الذي قد يوازي، ولو جزئياً، غياب الاعتراف القانوني. وهذا بالضبط ما يلتقطه فيلم فيليفوي بصرياً: التناقض بين واجهات المباني الحديثة اللامعة والحمولة المتواضعة على دراجة بِي، في مشهد يختصر ازدواجية التنمية الاقتصادية التي تحتفي بنموّها المادي بينما تتغاضى عن العمالة الهامشية التي تجعل هذا النمو ممكناً أصلاً.
بدأت هذه الازدواجية تتزعزع تدريجياً في السنوات الأخيرة، مع بروز مبادرات محلية ومؤسسية تحاول دمج هذه الفئة ضمن سياسات أكثر إنصافاً، من برامج تدريب على السلامة المهنية إلى شراكات بين منظمات غير حكومية وشركات لتوفير معدات وقاية وتأمين صحي جزئي لبعض العاملات. غير أن هذه الجهود، بحسب الدراسات المتوفرة، لا تزال محدودة النطاق قياساً بحجم هذه القوة العاملة، ما يبقي غالبية العاملات خارج أي مظلة حماية اجتماعية رسمية.
في نهاية المطاف، تطرح قصة بِي، كما يرويها فيلم "من طين في الأسفل، شمس في الأعلى"، سؤالاً يتجاوز حدود فيتنام: من الذي يتحمّل الكلفة البشرية الفعلية لمنظومة الاستهلاك العالمية؟ فالاقتصاد الدائري الذي تحتفي به التقارير والمؤتمرات الدولية لا يقوم فقط على تقنيات إعادة التدوير أو التزامات الشركات الكبرى، بل يستند بالدرجة الأولى إلى عمل يومي شاق تؤديه نساء مسنّات في الهامش، غالباً بلا أجر عادل ولا حماية ولا اعتراف. وقراءة هذا العمل بعين سوسيولوجية لا تكشف فقط عن هشاشة هذه الفئة، بل عن الطريقة التي تُبنى بها "الحداثة" الحضرية أصلاً على عمالة يُراد لها أن تبقى غير مرئية.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/97594760/sociol...