في الخطاب الإسرائيلي المعاصر، تتجدد إحالات دينية وتاريخية قديمة عند تناول إيران. إذ لا تُقدَّم بوصفها خصما سياسيا أو عسكريا فحسب، بل ككيان ذي معنى توراتي مركّب يتأرجح بين صورة "كورش" الملك الفارسي الذي ارتبط اسمه في الذاكرة اليهودية بإنهاء السبي البابلي، وبين نموذج "هامان" الوزير الفارسي الذي يمثّل في رواية "سفر أستير" تهديدا وجوديا لليهود. وهذا ما يعيد تشكيل صورة إيران في المخيال السياسي الإسرائيلي بوصفها خصما يحمل حمولة لاهوتية تتجاوز حدود الصراع الحالي. ويتيح هذا البناء الرمزي للنخب السياسية والدينية في إسرائيل توظيف مفردات دينية في تبرير الخيارات الاستراتيجية، وربط المواجهة مع طهران بسرديات نجاة تاريخية تعود جذورها إلى أكثر من ألفي عام. وذلك في لحظة تتصاعد فيها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتستمر هجماتها المتبادلة لليوم الثاني والثلاثين.
يستند استدعاء صورة "كورش" إلى مكانته في النصوص اليهودية باعتباره الأداة التي سمح بها الإله لعودة اليهود إلى أورشليم بعد السبي. هذا ما أعطاه حضورا إيجابيا في التقاليد الدينية، قبل أن تتحول دلالاته في القرن العشرين مع تبدل علاقات إيران بإسرائيل من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية. في حقبة محمد رضا بهلوي، نسجت تل أبيب علاقات وثيقة مع طهران في مجالي الطاقة والأمن، وجرى النظر إلى إيران آنذاك كشريك إقليمي مهم. الأمر الذي أتاح في الخطاب الإسرائيلي مساحة لاستثمار الإرث الرمزي الإيجابي المرتبط بكورش في تصوير العلاقة بين الطرفين كامتداد تاريخي لتحالف قديم. غير أن التحول الجذري الذي طرأ بعد ثورة 1979، وما رافقه من تبنّي الجمهورية الإسلامية خطابا داعما للقضية الفلسطينية، أدّى إلى قلب هذه المخيال لصالح قراءة جديدة تجعل من إيران خصما مركزيا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية المعاصرة.
في المقابل، يعود استحضار "هامان" إلى كونه في الرواية التوراتية وزيرا فارسيا خطط لإبادة اليهود في زمن الملك أحشويروش، قبل أن يُنسب له في التقاليد اليهودية دور الشرير الذي تم إحباط مؤامرته في قصة عيد "بوريم". وقد أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أحد أبرز خطاباته خلال التصعيد الحالي ربط العمليات العسكرية ضد إيران بما جرى "قبل 2500 عام"، مقدّما المواجهة الراهنة كامتداد لصراع وجودي مع شخصية "هامان" التاريخية، في توظيف مباشر لمخيال ديني يراد له أن يضفي على الحرب الحالية طابعا دفاعيا عن "بقاء الشعب". هذا الربط بين الراهن والرمز الديني القديم يندرج في استراتيجية سياسية دعائية تستهدف تعبئة الرأي العام الداخلي، وإقناع الجمهور بأن المواجهة الدائرة ليست خلافا ظرفيا على ملفات سياسية أو نووية بقدر ما هي استمرار لمسار تاريخي طويل من التهديدات، وفق التأويل الذي يقدمه الخطاب الرسمي.
إلى جانب البعد الدعائي الداخلي، يوجَّه هذا الخطاب أيضا للخارج، وبدرجة خاصة إلى المجتمع الإيراني نفسه وإلى الأقليات اليهودية التي عاشت في إيران على مدى قرون. حاول نتنياهو سابقا أن يقدم نفسه بوصفه امتدادا لدور "كورش" المحرِّر من خلال مخاطبة الإيرانيين باعتبار أن إسرائيل "تتمنى لهم الحرية" ضد نظامهم الحالي. إلا أن هذه الرسالة واجهت محدودية في التأثير، ليس فقط بسبب رفض قطاعات واسعة في إيران لاستخدام الإرث التاريخي في صراع سياسي معاصر، بل أيضا لأن الجالية اليهودية داخل إيران أكدت في مناسبات مختلفة أنها لا ترغب في أن تُستَخدم كأداة في النزاع بين تل أبيب وطهران، مع تمسكها برؤية دينية تعتبر احتلال القدس خارجا عن تعاليم اليهودية. وبهذا الشكل يتخذ الاستدعاء الرمزي لكورش وهامان دلالات مختلفة داخل إيران مقارنة بما يراد له في إسرائيل، حيث لا تحضر هذه الشخصيات بنفس الوزن في المخيال الوطني الإيراني الحديث، الذي يرتكز على مراجع ثورية وإسلامية أكثر حداثة.
هذه القراءة الإسرائيلية لإيران من خلال عدستي كورش وهامان تتقاطع مع تطورات الحرب الدائرة عام 2026. الحرب اتخذت بعدا إقليميا واسعا مع تهديد طهران بفتح جبهة جديدة عند مضيق باب المندب في حال أي تدخل بري أمريكي أو إسرائيلي في الجزر أو داخل الأراضي الإيرانية. كما استمرت الهجمات المتبادلة وضرب المنشآت والبنى التحتية الإستراتيجية. حين يُصوَّر الخصم كشر مطلق غير قابل للتسوية، يتراجع في الخطاب السياسي مجال الحديث عن ترتيبات أمنية أو تسويات تفاوضية لصالح لغة الحسم والردع. هذا ينعكس في تكرار الحديث الإسرائيلي الرسمي عن "تحقيق معظم أهداف الحرب"، مقابل تأكيد إيران أنها مستعدة لتوسيع رقعة المواجهة واستخدام أوراق ضغط إضافية. في هذا السياق، يغدو استدعاء الشخصيات التوراتية جزءا من منظومة أوسع تعيد تشكيل الوعي الجمعي الإسرائيلي تجاه إيران في اتجاه يشدد على حتمية الصراع. هذا يحمل تأثيرات محتملة على مسارات الحرب، وعلى فرص أي مسار دبلوماسي لاحق في المنطقة.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95744919/byn-korsh-o...