الفقه المالكي وبناء الشرعية المرابطية
ارتبط قيام الدولة المرابطية، منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، بمشروع سياسي وديني جعل من المذهب المالكي إطاراً مرجعياً لتوحيد المجالين المغربي والأندلسي. وقد أتاح هذا الاختيار للفقهاء موقعاً مركزياً في الحياة العامة؛ إذ اضطلعوا بوظائف القضاء والفتوى والتعليم، وأسهموا في ضبط المعايير الدينية والاجتماعية التي تستند إليها الدولة في بناء مشروعيتها. لذلك لم يكن نفوذهم علماً مجرداً، بل كان نفوذاً مؤسسياً متصلاً بإدارة المجتمع وتوجيهه. مكانة الفقهاء ونفوذهم في الدولة المرابطي
في المقابل، أخذت تتبلور في المغرب والأندلس نزعات زهدية وصوفية تستمد مشروعيتها من التربية الروحية ومجاهدة النفس والسمعة الأخلاقية، ومن مفهوم الولاية بما يحمله من معاني البركة والقرب من الله. وهكذا ظهر، إلى جانب سلطة الفقيه القائمة على النص والفتوى وقواعد المذهب، نموذج الولي الذي يكتسب مكانته من السلوك والتأثير المعنوي وصلته المباشرة بالمريدين والعامة.
ولا ينبغي، مع ذلك، اختزال المشهد في خصومة حتمية بين «فقه» و«تصوف». فالمفاهيم والحدود بين الفقيه والزاهد والواعظ والصوفي لم تكن دائماً فاصلة، كما أن عدداً من رجال التصوف جمعوا بين التكوين الشرعي والممارسة السلوكية. لكن التوتر ظهر كلما بدا أن خطاب الولاية أو التأويل الروحي يزاحم سلطة الفقهاء في تعريف التدين الصحيح، أو ينشئ حوله شبكات اجتماعية تتجاوز رقابة السلطة.
محنة الإحياء وحدود المعرفة المقبولة
شكّلت قضية إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي إحدى أبرز لحظات هذا التوتر في أواخر العهد المرابطي. فقد نظر عدد من الفقهاء إلى الكتاب وما يمثله من مزج بين الفقه والأخلاق والتصوف بعين الريبة، واتُّهم بأنه يشتمل على مسائل تخالف السنة أو تفتح باباً للتأويل غير المنضبط. وفي هذا السياق، ارتبطت محنة الإحيائيين بقرار منع الكتاب وإحراقه في بعض دوائر السلطة المرابطية والأندلسية.
تكشف الواقعة صراعاً حول من يملك حق تحديد المعرفة الدينية المشروعة: هل يكفي ظاهر النص والاجتهاد الفقهي لضبط حياة المسلم، أم أن التربية الباطنية وتطهير القلب جزء لا ينفصل عن حقيقة الالتزام؟ غير أن قراءة القضية بوصفها دليلاً على رفض مرابطي شامل للتصوف ستكون قراءة متعجلة؛ فالسياسات والمواقف لم تكن واحدة في جميع المدن والفترات، كما أن العلاقة بين السلطة والأولياء تدرجت بين الارتياب والتحقيق والملاحقة من جهة، والاعتراف والاستفادة من المكانة الدينية لبعض الأسر والشخصيات من جهة ثانية.
الولي والمجال الاجتماعي
لم يكن الرهان معرفياً فقط، بل كان اجتماعياً وسياسياً كذلك. فالفقيه كان يتحرك، في الغالب، ضمن فضاءات المسجد والقضاء والتعليم والإفتاء؛ بينما تشكلت حول بعض الزهاد والأولياء أشكال من الثقة الشعبية تستند إلى الإرشاد والبركة وخدمة المحتاجين والصلح بين الناس. ومن هنا بدت الولاية، في بعض الظروف، مصدراً موازياً للشرعية الاجتماعية، لا سيما حين تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة لحاجات الجماعات المحلية.
وقد برزت ظاهرة الأولياء والمتصوفة بوصفها عنصراً مؤثراً في الحياة الاجتماعية خلال المرحلة الأخيرة من الدولة المرابطية، قبل أن تتعزز في العهد الموحدي وما بعده. ولا يعني ذلك أن الزوايا والطرق كانت قد استقرت، آنذاك، في صورة مؤسساتها المتأخرة؛ فالتصوف المغربي انتقل على مراحل من الزهد الفردي والرباطات المحلية إلى التنظيمات الجماعية وشبكات التربية والمناقب.
وفي هذا الإطار، اكتسبت بعض الأسر الصالحة مكانة خاصة لدى الحكام والجماعات معاً. ويقدّم آل أمغار مثالاً دالاً على تداخل الولاية بالمجال السياسي؛ إذ لم تقم العلاقة دائماً على القطيعة، بل أمكن للسلطة أن تستفيد من الرصيد الرمزي للأولياء، وأن تمنحهم في المقابل الاعتراف أو بعض الوظائف والمنافع.
الموحدون: من الحذر إلى اتساع الحضور الصوفي
لم يؤد سقوط المرابطين وقيام الموحدين إلى نهاية فورية للتوتر بين السلطة ورجال التصوف. فقد ظل الحكام الموحدون حذرين من الشخصيات والتجمعات التي تمتلك نفوذاً مستقلاً، ولا سيما في مجتمع كانت الشرعية فيه مرتبطة بالدعوة الدينية وبالقدرة على تأطير الناس. ولذلك فإن الحديث عن رعاية موحدية مطلقة للتصوف لا يطابق تعقيد الوقائع التاريخية.
لكن المرحلة الموحدية وما تلاها وفّرت شروطاً أوسع لنمو الحضور الصوفي. فقد اتسعت أهمية الرباطات، وتعززت مكانة الصلحاء، وازدهرت كتابة المناقب والتراجم، ثم أخذت تتشكل مدارس وشبكات مرتبطة بالشيوخ. وتظهر الدراسات أن التحول من التصوف الفردي إلى التصوف الجماعي المنظم ارتبط، بوجه خاص، بمراحل ضعف الدولة الموحدية وتغير البنى الاجتماعية والسياسية في المغرب.
من التنافس إلى التكامل
لم ينتصر التصوف في المغرب عبر إلغاء الفقه المالكي، بل عبر إعادة صياغة العلاقة معه. فالتقليد الصوفي المغربي الذي ترسخ لاحقاً قدّم نفسه، في صيغته الغالبة، بوصفه طريقاً لتزكية الباطن لا بديلاً عن الشريعة؛ أي إنه جعل العلم بالفقه والتزام الأحكام أساساً للعمل السلوكي، وربط الحقيقة بالظاهر، والتربية الروحية بالمسؤولية الأخلاقية.
ومن ثمّ، تحولت العلاقة التاريخية بين الفقه والتصوف من لحظات تنازع على السلطة المعرفية والاجتماعية إلى صور متعددة من التعايش والتكامل. ولم يمنع ذلك استمرار التوتر في بعض الأزمنة، لكنه يفسر كيف صار التصوف لاحقاً أحد المكونات الرئيسية للتدين والثقافة بالمغرب، إلى جانب المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97610960/...










