تظل برشلونة وجهة مفضلة لدى شريحة دولية واسعة، يجذبها المناخ المتوسطي والعرض الثقافي الغني ومنظومة الاقتصاد الرقمي المحلية. ومنذ الجائحة، عزز انتشار العمل عن بُعد حضور شباب قادمين من بلدان ذات مستويات دخل أعلى، يستقرون في العاصمة الكتالونية مع محافظتهم على وظائف أو عملاء في الخارج. هذه الديناميكية تدعم فضاءات العمل المشترك والأنشطة الريادية وبعض قطاعات الخدمات، لكنها تُبرز في المقابل فوارق القدرة الشرائية في عدد من الأحياء، بحسب تقرير نشرته صحيفة Tageszeitung الألمانية ونقلته Courrier International.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في حي بوبلينو (Poblenou)، المنطقة الصناعية السابقة التي تحولت إلى أحد أقطاب الاقتصاد الرقمي في برشلونة. فتح مكاتب ومقاهٍ ومحلات موجهة لزبائن دوليين رافق تحول الحي، بينما يشتكي السكان القدامى من ارتفاع كلفة الحياة اليومية وصعوبة متزايدة في إيجاد سكن. وتصل الإيجارات المتوسطة في هذا القطاع إلى نحو 2000 يورو شهريًا وفق بيانات مستقاة من إعلانات عقارية، وهو مستوى يعكس الضغط الممارس على المعروض المتاح.
غير أن هذا التوتر لا يعكس معارضة عامة للهجرة. فالشهادات التي رصدتها الصحافة الألمانية، ونقلتها Courrier International، تميز بين المهاجرين ذوي الدخل المحدود والأجانب المتمتعين بدخل مرتفع وحراك دولي واسع. كما أن الكتابات العدائية التي ظهرت في بعض الأحياء استهدفت تحديدًا الوافدين الناطقين بالإنجليزية، الذين يُنظر إليهم كمستفيدين من مدينة باتت أقل سهولة على السكان المحليين. ويندرج هذا التصور ضمن تحول أوسع، إذ بات مصطلح "الوافد الأجنبي" (expat) يحيل غالبًا على موقع اجتماعي مغاير عن ذلك المرتبط بالعمال المهاجرين.
تُضاف إلى ذلك صعوبة التعايش بين شبكات اجتماعية منفصلة؛ إذ يرتاد كثير من الوافدين الجدد مؤسسات وفعاليات وخدمات تُنظَّم بالإنجليزية، دون إتقان الإسبانية أو الكتالانية. وتحاول بعض المبادرات المجتمعية، بما فيها لقاءات على الشاطئ أو داخل الأحياء، تشجيع التقارب بين الطرفين، لكنها تصطدم بالحواجز اللغوية وأنماط استهلاك قد تُعمّق الانقسام بدل تحقيق الاندماج.
تسعى السلطات البلدية إلى احتواء أزمة السكن عبر عدة أدوات. فمن المقرر أن تمتنع برشلونة عن تجديد تراخيص أكثر من 10 آلاف شقة سياحية عند انتهاء صلاحيتها في نونبر 2028، بهدف إعادتها إلى السوق السكنية، وفق ما أوردته تقارير متخصصة في العقار. كما باشرت المدينة إجراءات ضد الكراء غير القانوني، وطورت برامج دعم لفائدة ملاك العقارات المشتركة الراغبين في منع الاستخدام السياحي للمساكن داخل عماراتهم، بحسب ما نقلته صحيفة Infobae الإسبانية.
وفي موازاة ذلك، وسّعت كتالونيا منذ بداية 2026 نطاق تأطير الإيجارات ليشمل جزءًا من عقود الكراء المؤقت وكراء الغرف، بهدف الحد من الالتفاف على القواعد المطبقة على السكن الرئيسي، بحسب تفاصيل القانون الجديد. غير أن العقود ذات الغاية السياحية أو الترفيهية لا تزال تخضع لنظام مختلف، ما يُبقي هامشًا من التمايز في سوق مقيّد أصلًا.
وهكذا يبدو حضور الوافدين الأجانب أحد التجليات الظاهرة لأزمة أوسع نطاقًا. فارتفاع تكاليف السكن ناتج أيضًا عن الضغط السياحي، ومحدودية العرض السكني، والاستثمارات العقارية، والارتفاع العام للدخل في أكثر قطاعات الاقتصاد الحضري ازدهارًا، وفق بيانات حديثة عن سوق الإيجارات في المدينة. وفي برشلونة، يتمحور النقاش أقل حول جنسية السكان الجدد، وأكثر حول قدرتهم المالية واندماجهم في الحياة المحلية، وضمان بقاء السكن في متناول الطبقتين الشعبية والمتوسطة.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97845256/b...