عندما يسيء شخص إلى آخر، يُنظر إلى الاعتذار عادةً باعتباره خطوة بنّاءة نحو إصلاح العلاقة. لكن ماذا يحدث حين يشعر المسيء أنه قد نال المغفرة من الله؟ بحث تجريبي حديث في علم النفس الاجتماعي يوضح أن الإحساس بـ«المغفرة الإلهية» يمكن أن يدفع سلوك الاعتذار في اتجاهين متعاكسين عبر آليات نفسية مختلفة.
في الدراسة الأولى (عدد المشاركين = 435) التي اعتمدت على استدعاء مواقف إساءة واقعية غير محلولة، ارتبطت مستويات أعلى من «المغفرة الإلهية المُدركة» بارتفاع «التسامح الذاتي»، وهو ما ارتبط بدوره بانخفاض الميل إلى الاعتذار وسلوك الاعتذار الفعلي المقاس عبر رسائل موجهة للضحية. هذا الأثر غير المباشر يشير إلى أن تلبية الدافع المتمحور حول الذات — أي استعادة الصورة الأخلاقية عبر التسامح مع الذات — قد يُضعِف الحافز للاعتذار.
أما الدراسة الثانية (عدد المشاركين = 531)، فجمعت بين الاستدعاء الواقعي وتصميماً تجريبياً؛ إذ طُلب من بعض المشاركين تخيّل أن الله قد غفر لهم، ومن آخرين تخيّل عدم الغفران، مقارنةً بمجموعة ضابطة. أعادت النتائج تأكيد المسار المُثبِّط: التعرّض لشرط «الغفران الإلهي» عزّز «التسامح الذاتي»، والذي ارتبط بانخفاض سلوك الاعتذار عبر مؤشرات احتمالية الاعتذار وجودته وإخلاصه كما تم ترميزها موضوعياً في الرسائل. في الوقت نفسه، أظهرت الدراسة مساراً مُيسّراً مضاداً: كان لـ«المغفرة الإلهية» أثر غير مباشر إيجابي على الاعتذار عبر تسلسل «الامتنان ثم التواضع»، وهما حالتان نفسيتان تُعيدان توجيه الانتباه نحو الآخر وتدفعان إلى سلوك تصالحي أكثر جودة.
تُبرز هذه النتائج الثنائية أن «المغفرة الإلهية» قد تُضعِف الاعتذار حين تُشبِع حاجة الذات إلى الاستعادة الأخلاقية عبر «التسامح الذاتي»، لكنها قد تُعزِّز الاعتذار حين تُنمِّي «الامتنان» و«التواضع» اللذين يدعمان التوجه نحو الآخر. منهجياً، استخدمت الدراسات مزيجاً من قياسات احتمالية الاعتذار، والسلوك الواقعي في رسائل البريد، وتقييمات جودة الاعتذار وإخلاصه، مع فحص متغيرات مثل شدة الإساءة والقرب من الضحية ودرجة التدين، كما أُتيحت جميع المواد والبيانات على منصة Open Science Framework.
كشفت الدراسة الأولى أيضاً عن نمط مشابه — وإن كان أضعف — حين يتعلق الأمر بـ«المغفرة من الضحية»: فقد ارتبط إدراك أن الضحية قد غفرت بزيادة «التسامح الذاتي»، ما قد يُقلِّص الدوافع المرتبطة بالاعتذار. غير أن الفروق المفاهيمية تبقى مهمة؛ فـ«المغفرة الإلهية» تُفهَم غالباً بوصفها «غفراناً كاملاً» مقروناً باستعادة العلاقة مع الله، وهو ما يجعل أثرها على «التسامح الذاتي» أقوى. في المقابل، يمكن لـ«المغفرة من الضحية» أن تعزِّز دوافع اجتماعية موجِّهة نحو الآخر عبر مشاعر القبول والتبادلية، وهو ما قد يُقوّي المسار المُيسِّر للاعتذار من خلال «الامتنان» و«التواضع».
يُقدِّم هذا العمل منظوراً دقيقاً لعلاقات بين الأشخاص في سياقات دينية، ويضيف إلى أدبيات «المغفرة الإلهية» و«التسامح الذاتي» و«الامتنان» و«التواضع» في علم النفس الاجتماعي. عملياً، توحي النتائج بأن تهيئة بيئات تُشجِّع على الحفاظ على مشاعر الامتنان والتواضع إلى جانب التسامح مع الذات قد تُخفِّف من الأثر المُثبِّط للمغفرة الإلهية على الاعتذار، وتدفع نحو اعتذارات أكثر شمولاً وصدقاً تخدم إصلاح العلاقات.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93539346/bhth-kyf-...