وقّع المغرب رسميا على «اتفاقات أرتميس» الخاصة بالاستكشاف الفضائي، في خطوة تُدخله إلى مجموعة الدول المنخرطة في الإطار الذي تقوده الولايات المتحدة لتنظيم الأنشطة القمرية وما وراءها لأغراض سلمية. يأتي هذا التوقيع خلال حفل أقيم في الرباط، أشرف عليه وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إلى جانب مساعد وزير الخارجية الأمريكي المكلف بشؤون الفضاء، في إشارة إلى منح هذا الملف بعدا دبلوماسيا واضحا داخل مسار الشراكة الإستراتيجية بين البلدين. وترتفع بذلك عدد الدول المنضمة إلى هذه المبادرة إلى أربعة وستين بلدا، ما يعكس توسع هذا الإطار ليشمل قوى فضائية صاعدة ودولا نامية تسعى إلى تثبيت حضورها في مجال التكنولوجيا العالية.
اتفاقات أرتميس تمثل مجموعة من المبادئ التنظيمية والسياسية غير الملزِمة قانونيا، صاغتها وكالة ناسا وشركاؤها قصد تأطير التعاون في استكشاف القمر والمريخ والأجرام الصغيرة بشكل مدني وسلمي. وترتكز هذه المبادئ على مرجعية معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، مع تطوير بنود عملية تتعلق بتبادل البيانات العلمية، وآليات تجنب التعارض في مناطق العمليات، وحماية المواقع والتراث الفضائي، وتقاسم المعلومات حول الحطام الفضائي وأنشطة الملاحة. كما تدرج الاتفاقات تصورا لتدبير الموارد المستخرجة من الأجسام السماوية ضمن إطار تعاوني، مع تشجيع الشفافية في الإعلان عن البرامج والبعثات وتفاصيلها التقنية.
انضمام الرباط إلى هذا الإطار ينسجم مع مسار تدرجي راكمه المغرب في مجال تكنولوجيا الفضاء خلال العقدين الأخيرين، من خلال إطلاق أقمار صناعية عالية الدقة للمراقبة الأرضية وتطوير كفاءات وطنية في الاستشعار عن بعد وتطبيقات الفضاء المدنية. ويرى متابعون أن توقيع الاتفاقات يمنح المؤسسات المغربية العاملة في هذا المجال منفذا إلى شبكات تعاون أوسع، خصوصا في ما يتعلق بتبادل الخبرات التقنية، والاستفادة من منصات البحوث والاختبارات المرتبطة ببرنامج أرتميس الذي يستهدف إقامة وجود بشري مستدام في محيط القمر. كما يفتح هذا التطور الباب أمام الجامعات ومراكز البحث للانخراط في مشاريع مشتركة في مجالات معالجة البيانات الفضائية، والذكاء الاصطناعي المطبق على صور الأقمار الصناعية، والتجارب العلمية المصاحبة للبعثات المستقبلية.
البعد الدبلوماسي لهذا الانضمام لا يقل أهمية عن أبعاده التقنية والعلمية، إذ يكرس توجها أمريكيا لتعميق الشراكة مع المغرب في مجالات ذات محتوى إستراتيجي متقدم، بعد توسيع التعاون ليشمل ملفات الدفاع والأمن والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. ويمثل إدراج الفضاء ضمن هذه الحقول مؤشرا على انتقال العلاقة إلى مستوى يربط بين المصالح الجيوسياسية وحيازة المعرفة التكنولوجية، مع ما يرافق ذلك من تداخل بين الاعتبارات العلمية والرهانات الصناعية والاقتصادية. كما يتيح هذا المسار للمغرب توطيد موقعه داخل الشبكات الناشئة لما يوصف أحيانا بـ«الدبلوماسية الفضائية»، حيث تُستخدم برامج الاستكشاف كوسيلة لإعادة ترتيب التحالفات وبناء شراكات جديدة بين قوى تقليدية وأخرى صاعدة.
في السياق الإقليمي، ينضم المغرب إلى مجموعة من الدول العربية التي اختارت الانخراط في اتفاقات أرتميس، من بينها الإمارات والسعودية والبحرين، إضافة إلى دول إفريقية مثل السنغال التي وقعت على الاتفاقات خلال السنوات الأخيرة. ويمنح هذا المعطى بعدا عربيا وإفريقيا متناميا داخل المبادرة، بما يفتح احتمالات تعاون جنوب–جنوب في مجالات مرتبطة بالفضاء، سواء عبر مشروعات مشتركة للأقمار الصناعية أو برامج تدريب وتكوين للمهندسين والباحثين الشباب. كما يتقاطع هذا المسار مع تطور «المجموعة العربية للتعاون الفضائي» التي التحق بها المغرب، ما يوفر أرضية لتنسيق المواقف وتبادل الخبرات داخل فضاء جغرافي أوسع.
من الناحية العملية، لا يعني التوقيع التزاما فوريا بمشروعات كبرى أو تكاليف مالية محددة، بقدر ما يضع إطارا سياسيا وقانونيا عاما يسمح بتطوير اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف لكل مشروع على حدة. وهذا يمنح المغرب هامشا لتكييف مستوى انخراطه بحسب قدراته التقنية وموارده المالية وأولوياته الوطنية في مجالات التنمية والبحث العلمي. كما يتيح له استثمار موقعه الجغرافي وقربه من أوروبا وعمقه الإفريقي في اجتذاب شراكات صناعية وخدماتية مرتبطة بسلاسل القيمة الفضائية، من تصنيع مكونات وأجهزة متخصصة إلى تطوير برمجيات وتحليلات بيانات تخدم قطاعات الفلاحة والبيئة والأمن البحري وإدارة المدن.
بهذا الانضمام، يضع المغرب لبنة جديدة في مسار بناء سياسة فضائية أكثر تبلورا، تجمع بين طموح الانفتاح على مبادرات دولية رفيعة المستوى وحسابات براغماتية تراعي التوازن بين الكلفة والعائد. ويبدو أن الرهان يتمثل في تحويل الحضور الرمزي ضمن لائحة الدول الموقعة إلى مكاسب ملموسة في تكوين الموارد البشرية، ورفع مستوى البنية التحتية الفضائية، واستقطاب شراكات بحثية وصناعية تعزز القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة والتقنية بدل الاكتفاء باستهلاكهما. ومن شأن تطور هذا المسار خلال السنوات المقبلة أن يقدم مؤشرا على مدى نجاح المملكة في توظيف ملف الفضاء كرافعة إضافية لحضورها الدبلوماسي وموقعها الاقتصادي والتقني في محيط إقليمي ودولي سريع التحول.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/96322516/andmam...