تُظهر بيانات تجريبية حديثة أن الأفراد أثناء السير ضمن تجمعات بشرية يميلون بصورة تلقائية إلى الانحراف في اتجاه معاكس لحركة عقارب الساعة، وهو نمط لم يكن موضع اهتمام علمي واسع سابقًا. هذا السلوك رُصد خلال أبحاث أُجريت في فترة انتشار جائحة كوفيد-19، حين انصب التركيز على فهم ديناميات الحركة البشرية بهدف تقييم فعالية التباعد الجسدي. وقد أتاح هذا السياق غير المعتاد جمع معطيات دقيقة حول كيفية تفاعل الأفراد مع محيطهم المباشر في ظروف كثافة بشرية متغيرة.
الدراسة التي أشرف عليها الباحث إيناكي إتشيفيريا هوارتي ضمن فريق متعدد التخصصات اعتمدت على تجارب ميدانية ومخبرية في كل من إسبانيا واليابان. كان الافتراض الأولي قائمًا على احتمال وجود اختلافات بين بيئات ثقافية ذات قواعد سلوكية متباينة في الفضاء العام. غير أن النتائج بينت نمطًا متقاربًا في كلا البلدين، حيث استمر الميل نحو الدوران العكسي بشكل واضح، وهو ما يحد من فرضية التأثير الثقافي المباشر ويعزز احتمال وجود أساس بيولوجي أو عصبي مشترك.
التجارب شملت فئات عمرية مختلفة، وقد أظهرت أن هذا الانحياز أكثر وضوحًا لدى الأطفال في سن ما قبل المدرسة، ما يدعم فرضية أن السلوك لا يُكتسب عبر التعلم الاجتماعي بل يرتبط ببنية إدراكية أو حركية مبكرة. وتُقارن هذه النتائج بما ورد في أبحاث حول التفضيلات الحركية الجانبية لدى البشر، مثل هيمنة اليد اليمنى، والتي ترتبط بتنظيم نصفي الدماغ كما توثقه تقارير Nature Human Behaviour. غير أن الانحراف الاتجاهي في الحشود يظل ظاهرة أقل تفسيرًا من حيث الآليات الدقيقة.
التحليل الكمي لمسارات الحركة اعتمد على نماذج رياضية ومحاكاة حاسوبية تدمج معطيات السرعة، الكثافة، وزوايا الانعطاف. هذه النماذج، التي طُورت بالاستناد إلى أبحاث سابقة في ديناميات الحشود مثل أعمال Dirk Helbing، أظهرت أن الانحياز لا ينتج عن تفاعل جماعي بحت، بل يظهر حتى في حالات السير الفردي داخل بيئة مزدحمة، ما يعزز طابعه الفردي.
الفرضيات التفسيرية الحالية تتوزع بين مقاربات عصبية وبيوميكانيكية. من جهة، يُطرح احتمال أن يكون هناك عدم تناظر في معالجة المعلومات الحركية داخل الدماغ يؤدي إلى تفضيل اتجاه معين عند اتخاذ قرارات سريعة في بيئة معقدة. ومن جهة أخرى، تُبحث علاقة هذا السلوك بتوازن الجسم أو توزيع الكتلة أثناء المشي. ورغم وجود أمثلة على سلوكيات غير متناظرة في بعض الكائنات، فإن هذا النمط يبدو محدود الانتشار في عالم الحيوان، ما يضع الإنسان في موقع خاص ضمن هذا النوع من الظواهر.
لتوسيع نطاق الفهم، يجري حاليًا توظيف تقنيات الواقع الافتراضي التي تسمح بمحاكاة بيئات مكتظة مع التحكم الكامل في المتغيرات. هذه المنهجية تتيح اختبار فرضيات متعددة دون القيود اللوجستية للتجارب الواقعية، كما تفتح المجال لربط البيانات السلوكية بقياسات فسيولوجية مثل تتبع حركة العين أو نشاط الدماغ. بعض هذه المشاريع تُنفذ بالتعاون مع مختبرات متخصصة في الإدراك الحركي مثل تلك المرتبطة بـMax Planck Institute for Human Development.
الأبعاد التطبيقية لهذا الاكتشاف تمتد إلى مجالات تخطيط المدن وإدارة الحشود، خصوصًا في الفضاءات ذات الكثافة العالية مثل محطات النقل والملاعب. إدماج هذا الانحياز في تصميم المسارات قد يساهم في تحسين تدفق الحركة وتقليل الاحتكاك بين الأفراد. كما يمكن أن يفيد في تطوير خوارزميات الروبوتات الاجتماعية وأنظمة الملاحة الذاتية التي تتفاعل مع البشر في بيئات مشتركة.
مع ذلك، تبقى هذه النتائج مفتوحة للنقاش العلمي، خاصة فيما يتعلق بإمكانية تأثرها بعوامل خفية مثل تصميم الفضاء أو توزيع الضوء أو حتى ترتيب المشاركين في التجارب. كما أن غياب بيانات واسعة من مناطق جغرافية متنوعة، خصوصًا من إفريقيا وأمريكا اللاتينية، يحد من تعميم الاستنتاجات. هذه الفجوات تمثل مجالًا خصبًا لأبحاث لاحقة قد تعيد صياغة الفهم الحالي أو تدعمه بأدلة إضافية.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96924815/h...