بدأت مؤسسات إعلامية خلال صيف 2026 اختبار مرحلة جديدة في علاقتها بمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي، تقوم على إعداد نسخ من مواقعها موجهة إلى الوكلاء الرقميين، إلى جانب النسخ المصممة للقراء. وبعد تحسين الظهور في محركات البحث، ثم تكييف المحتوى مع الإجابات المولدة آليا، باتت بعض المؤسسات تدرس بنية ويب مزدوجة: تجربة غنية بالصور والتصميم والتفاعل للمستخدم البشري، وأخرى نصية ومنظمة تتيح للآلات فهم المعلومات واسترجاعها بسهولة أكبر.
وتجسد تجربة مجلة «ذي إيكونوميست» هذا التوجه. فالمؤسسة تختبر إعادة ترتيب بعض موادها المتاحة خارج نظام الاشتراك، ولا سيما صفحات التسويق والمبيعات الموجهة إلى الشركات، كي تصبح قابلة للقراءة من قبل وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويستند الاختبار إلى فرضية مفادها أن جزءا متزايدا من الاكتشاف الرقمي سيبدأ من وسطاء يعملون نيابة عن المستخدمين، بدلا من الصفحات الرئيسية للمواقع أو خانات البحث التقليدية. ولذلك تعتمد المجلة صفحات مبسطة تقوم على النصوص الواضحة وبنية الأسئلة والأجوبة، بعيدا عن العناصر البصرية الثقيلة والواجهات المصممة أساسا للقراءة البشرية.
ولا يشمل هذا المسار، في مرحلته الأولى، المواد التحريرية المحمية بنظام الاشتراك. فالمجلة تسعى إلى تحديد ما يمكن عرضه علنا للوكلاء من دون إضعاف قيمة الاشتراك المدفوع. ويكتسب هذا الحذر أهمية خاصة بالنسبة إلى ناشر يعتمد على عائدات القراء، إذ إن زيادة قابلية الوصول الآلي إلى المحتوى قد تحسن الظهور، لكنها قد تقلص أيضا الحافز لدى المستخدم للانتقال إلى الموقع أو الاشتراك فيه. ومن ثم، يظل الرهان منصبا على جعل المحتوى التسويقي قابلا للاكتشاف، مع الحفاظ على الحكم التحريري والمحتوى المدفوع باعتبارهما أساس العلاقة المباشرة مع القارئ.
وفي السياق نفسه، اتجهت مجلة «تايم» إلى إتاحة نسخ بصيغة «ماركداون» من صفحاتها، بما يزيل عناصر التصميم والصور ويقدم النص في شكل أبسط للأنظمة الآلية. ثم تبعتها «يو إس إيه توداي» في أغسطس. ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا لدى الناشرين بأن قراءة المحتوى من قبل الذكاء الاصطناعي لن تبقى عملية زحف تقني فحسب، بل ستتحول إلى قناة توزيع مستقلة تتطلب صيغ نشر وأدوات قياس وآليات تجارية خاصة بها.
غير أن محاولة «تايم» إدماج إعلانات موجهة إلى الوكلاء في هذه الصفحات كشفت سريعا حدود النموذج. فقد بدأت المؤسسة، في أواخر يوليو، عرض إعلانات ضمن الصفحات القابلة للاستهلاك من طرف الآلات، مع وجود «ألي بنك» و«معهد إدارة المشاريع» بين أوائل المعلنين. لكن «بيربليكسيتي» حجبت هذه الإعلانات في أغسطس، معتبرة أن تقديم محتوى مختلف للآلات عما يراه البشر يندرج ضمن ممارسات الإخفاء الرقمي المعروفة باسم «كلواكينغ». ويبرز هذا الخلاف أن الفصل بين نسخة بشرية وأخرى آلية قد يثير إشكالات تتعلق بالشفافية وبالحدود الفاصلة بين التكييف التقني للمحتوى وتغيير طبيعته بحسب هوية المتلقي.
أما صحيفة «لوموند» الفرنسية فتبحث مسألة مختلفة، تتمثل في كيفية تمكين وكيل ذكاء اصطناعي من الوصول إلى مقال مدفوع نيابة عن مشترك موثق، من دون فتح الموقع أمام برامج الزحف غير المرخصة. وتحجب المؤسسة تقريبا كل الزيارات غير البشرية، بما فيها برنامج «غوغل إكستندد» المخصص لتدريب الذكاء الاصطناعي، ولا تستثني إلا الشركات المرتبطة معها باتفاقات ترخيص. غير أن الصحيفة تدرس في الوقت نفسه آليات تسمح لوكيل يعمل لصالح قارئ مشترك بإثبات هويته وصلاحيته للوصول إلى المحتوى، بما يحافظ على قواعد الاشتراك حتى عندما لا تتم الزيارة من متصفح تقليدي.
ويرتبط هذا التوجه ببروتوكول سياق النماذج، المعروف اختصارا باسم «إم سي بي»، الذي يتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي الاتصال بأدوات ومصادر بيانات خارجية بصورة منظمة. وقد أطلقت وكالة «رويترز» في 8 يوليو خادما يعتمد هذا البروتوكول لفائدة زبائن وكالة الأنباء، بما يسمح لوكلائهم بالبحث في المحتوى المشترك واسترجاعه وتنزيله داخل بيئات عملهم. وتعرض الوكالة هذه البنية باعتبارها وسيلة لتقليص وقت البحث، وتجميع المواد متعددة الوسائط، وإعادة توظيف المحتوى في صيغ مختلفة ضمن تدفقات العمل التحريرية.
وتشير هذه التجارب إلى أن الويب الوكيل لا يقتصر على تهيئة النصوص لمحركات الإجابة، بل يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الناشر والمستخدم والوسيط التقني. فالناشرون يبحثون عن صيغة تسمح بتحسين ظهورهم لدى الوكلاء، مع ضبط ما يُشارك من محتوى، وحماية الاشتراكات، وتحديد شروط الاستخدام التجاري. وفي المقابل، تبقى القيمة الاقتصادية لهذا المسار غير محسومة، لأن الوصول عبر الوكيل قد يعزز الاكتشاف لكنه لا يضمن تلقائيا الزيارة أو الولاء أو الإيرادات التي تحتاج إليها المؤسسات الإعلامية للحفاظ على نموذجها التحريري.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97954579/media-web-...