النوم العميق: سر الصمود النفسي أمام الضغط


الثلاثاء 15 شتنبر 2026 à 10:57 |



يعيش شخصان الفترة نفسها من الإرهاق، أو الخلاف نفسه في العمل، أو الانفصال العاطفي ذاته، فيتماسك أحدهما ويستعيد توازنه سريعاً بينما ينهار الآخر. طويلاً، كان تفسير هذا التباين يقتصر على الشخصية أو المسار الشخصي لكل فرد. غير أن علوم الأعصاب تكشف اليوم أن جزءاً حاسماً من هذا الفارق يتشكل أيضاً أثناء الليل.



فقد كشفت دراسة نُشرت في مجلة Journal of Neuroscience أن جودة النوم العميق، وتحديداً ما يجري في منطقة صغيرة من الدماغ تُعرف بالقشرة قبل الحوفية، تتنبأ بالقدرة على مقاومة ضغط اجتماعي حاد. وهذا يعني أن جزءاً من صمودنا النفسي أمام المواقف الضاغطة يختبئ خلف نوعية نومنا الليلي.


لدى البالغين، تشكّل مرحلة النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة الجزء الأكبر من الراحة الليلية، وتظهر خلالها موجات دماغية بطيئة تُعرف بالنوم العميق، حيث يستعيد الجسم والدماغ عافيتهما بشكل مكثف. وتُظهر أبحاث أُجريت على البشر أن نوماً أفضل جودة، بنسبة كافية من النوم العميق، يرتبط بأعراض قلق واكتئاب أقل، وبمستويات أعلى من الصمود النفسي.


ويشير مفهوم الصمود النفسي إلى القدرة على العودة إلى حالة انفعالية مستقرة نسبياً بعد صدمة أو فترة ضغط طويلة، وهو يعتمد بشكل خاص على القشرة الجبهية الأمامية التي تساعد على وضع الانفعالات في سياقها وكبح ردود فعل بنى دماغية أكثر تفاعلاً مثل اللوزة الدماغية. ويبدو أن النوم العميق يمنح هذه الدوائر العصبية فرصة مميزة لإعادة تنظيم نفسها، وهو ما فصّلته الدراسة الجديدة التي أُجريت على الفئران.


في هذا العمل، سجّل الباحث كريستوفر إيلن وفريقه في كلية مورهاوس للطب نشاط الخلايا العصبية في القشرة قبل الحوفية لدى فئران خضعت لبروتوكول ضغط يُعرف بـ"الهزيمة الاجتماعية" على مدى خمسة أيام، وهو نموذج يحاكي التعرض لمضايقات متكررة. ولاحظ الفريق خلال مرحلة النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة نوبات من الصمت العصبي، أطلقوا عليها "فترات التوقف"، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالموجات البطيئة للنوم العميق. وقد أظهرت الفئران التي بدت لاحقاً أكثر صموداً سلوكياً، حتى قبل التعرض للضغط، تزامناً أوضح بين هذه الفترات والموجات البطيئة.


يبدو أن جودة النوم تملي الطريقة التي تكبح بها القشرة قبل الحوفية الاستجابات الانفعالية، وهو ما يُترجم، برأينا، إلى معدل تفريغ الخلايا العصبية. ونفترض أن الحيوانات الحساسة للضغط لا تنام بعمق كافٍ، وأن هناك استجابة نشطة للضغط تبقى سليمة لدى الحيوانات الصامدة بفضل نومها العميق — كريستوفر إيلن، بحسب ما نقلته مجلة MedicalXpress.

وبعد التعرض للضغط، أظهرت الفئران الصامدة أيضاً إعادة توزيع لمعدلات التفريغ العصبي وزيادة في فترات التوقف القصيرة، وهو مؤشر على إعادة تنظيم تكيفية للدوائر العصبية أثناء النوم الموضعي. ويعتزم الفريق البحثي الآن حرمان حيوانات تُعرف عادة بصمودها من النوم لمعرفة ما إذا كانت هذه القدرة ستتلاشى، ويأمل في التعرف لدى البشر على مؤشرات دماغية مماثلة للهشاشة أو الحماية.


تبقى هذه النتائج مستخلصة من دراسات أُجريت على الحيوان، لكنها تتقاطع مع أبحاث عديدة أُجريت على البشر تفيد بأن نوماً عميقاً ومتواصلاً، خصوصاً في بداية الليل، يعزز تنظيماً انفعالياً أفضل في اليوم التالي وحساسية أقل للضغط. وفي المقابل، قد ينذر نوم متقطع أو خفيف جداً بهشاشة كامنة. وثمة مؤشرات بسيطة قد تنبّه إلى ضعف في النوم العميق، حتى لو بدت مدته الإجمالية كافية:

الاستيقاظ من دون شعور بالراحة، مع إحساس بـ"ضباب" ذهني صباحاً استيقاظات متكررة في الجزء الأول من الليل الشعور باجترار الأفكار أو "التفكير طوال الليل" تهيّج أو دموع أو نوبات غضب أكثر تكراراً بعد ليالٍ سيئة صعوبة في تبديد التوتر بعد حدث ضاغط

ولإعطاء الدماغ أفضل الفرص لتقوية دوائر الصمود النفسي أثناء النوم العميق، أثبتت عدة عادات جدواها: الحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ، وحماية بداية الليل بالحد من الكافيين المتأخر والكحول والتعرض للشاشات، وتفضيل غرفة نوم مظلمة وهادئة وباردة، وتفريغ نظام الضغط خلال النهار عبر نشاط بدني منتظم أو تمارين تنفس.


لا يتعلق الأمر بالبحث عن "نوم مثالي"، بل عن نوم متواصل بما يكفي ومُجدِّد للطاقة، بما يتيح للدماغ إنجاز عمله الليلي. وفي حال الأرق المزمن، أو الاشتباه بانقطاع النفس أثناء النوم، أو ضغط نفسي حاد، تساعد استشارة طبية أو نفسية على استعادة هذا الأساس الليلي الذي يحدد إلى حد بعيد طريقتنا في مواجهة الشدائد.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98010711/a...


: في نفس القسم