يحمل كثيرٌ من الناس صورةً قاتمة عن أخلاق محيطهم، مؤمنين بأن الكذب والغش سلوكان شائعان في المجتمع أكثر مما يبدو في الواقع. لكن بحثًا جديدًا نُشر في مجلة Journal of Experimental Social Psychology يكشف أن هذه الصورة القاتمة بعيدة جوهريًا عن الحقيقة القابلة للقياس، وأن تصحيحها قد يُعيد رسم طريقة تعامل المجتمعات مع الثقة والرقابة.
صمّم الباحث جريف مارتوزا من كلية النرويج للاقتصاد، إلى جانب زميليه هيلغه ثوربيورنسن وهالغير شوستاد، مشروعًا موسعًا استقطب 7340 مشاركًا في 11 تجربة مختلفة، ليُنتجوا ما مجموعه 31 مقارنة بين التوقعات والسلوك الفعلي. استُخدمت في هذه التجارب ألعاب بسيطة كرمي الحجر وتوقع لونه، إذ يُعرف احتمال الإجابة الصحيحة رياضيًا مسبقًا، مما يتيح للباحثين احتساب نسبة الغش الفعلية على مستوى المجموعة دون الحاجة إلى مراقبة أفراد بعينهم.
أفضى تحليل البيانات إلى نتيجة لافتة: المشاركون بالغوا في تقدير نسبة الكاذبين بمعدل 13.6 نقطة مئوية في المتوسط، وكان 63.5% منهم يُبالغون بما لا يقل عن خمس نقاط مئوية. هذا التحيز لم يكن عشوائيًا ولا مرتبطًا بما إذا كان الشخص نفسه قد غش أم لا، بل ظهر بصورة شبه ثابتة في سياقات متعددة، وهو ما وصفه مارتوزا بأنه "مفاجئ في ثباته"، معترفًا بأن تصوراته هو شخصيًا عن توقعات الآخرين كانت أيضًا خاطئة.
ثمة تناقض ظاهري يضع البحث في سياق علمي أوسع: الأدبيات التقليدية في علم النفس تُثبت وجود ما يُعرف بـ"التحيز نحو الصدق" (truth bias)، أي الميل الفطري للافتراض بأن الآخر صادق وهو مفهوم أسسه مكورناك وباركس منذ عام 1984. في المقابل، تتنبأ أدبيات التفكير الساخر بأن الناس يُبالغون في توقع الغش حمايةً لأنفسهم. ما كشفه بحث مارتوزا هو أن ميزان التأثير يميل أكثر نحو التشاؤم الأخلاقي حين تنطوي المواقف على حوافز مالية حقيقية، إذ تجعل الإغراءات المادية الملموسة الكذبَ أمرًا وارد الحدوث في أذهان المشاركين، فيُسقطون هذا الشعور على الآخرين.
الأثر الأبعد مدى تكشّف في الدراسة الثالثة والرابعة اللتين شملتا 285 ثم 741 مديرًا من قطاعات إدارية متنوعة. هؤلاء المسؤولون توقعوا أن 55% من المشاركين سيكذبون في لعبة رمي الحجر، في حين أن النسبة الفعلية للغش بلغت 30%، أي أن الفجوة وصلت إلى 25 نقطة مئوية. وقد ترجم هذا التشاؤم إلى ميلٍ أقوى نحو تبني سياسات مراقبة صارمة في بيئة العمل، كمراقبة ساعات العمل وتتبع النفقات. هذا يتقاطع مع ما رصدته الجمعية الأمريكية لعلم النفس عام 2023 من أن 56% من الموظفين الخاضعين للمراقبة الإلكترونية يُعانون توترًا مستمرًا في العمل، مقابل 40% فقط من غير الخاضعين لها.
الخبر اللافت هو قابلية هذا التحيز للتصحيح. حين أُعطيت مجموعة من المشاركين نصًا قصيرًا يشرح بأن 70% من المشاركين في التجارب يتصرفون بأمانة، وأن التقديرات تخطئ عادةً بـ14 نقطة للأعلى، ارتفعت ثقتهم بالآخرين وانخفض تشاؤمهم العام، بل قلّ دعمهم لسياسات الرقابة الصارمة في خمسة سياقات مهنية من أصل ستة. هذا يفتح أمام صانعي القرار في المؤسسات والمجتمعات المدنية نافذة عملية: التوعية بالأرقام الحقيقية للسلوك الإنساني الأمين قد تُسهم في تخفيف الثقل المؤسسي الناجم عن سياسات تُبنى على مخاوف مضخّمة.
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة تُقرّ بحدودها بوضوح: المشاركون من الولايات المتحدة حصرًا، والقياسات تعتمد على بيئات مُختبرية لا على قرارات تنظيمية فعلية. يؤكد مارتوزا أن المقصود ليس نفي وجود الغش — فنحو ثلثٍ من المشاركين فعلًا غشوا حين أُتيحت لهم الفرصة — بل الكشف عن هوّة منهجية بين الإدراك والواقع، هوّة تتسع عند الأهمية وتضيق حين تتوفر المعلومات الدقيقة. وما زالت الآليات النفسية الكامنة خلف هذا التحيز موضع بحث، إذ يُرجّح الباحثون أن للتأثير السلبي الأشد وطأة في الذاكرة دورًا محوريًا، وهو فرضية تتداخل مع ظاهرة "فجوة الإخفاق" التي وثّقها بحث مستقل في مجلة Journal of Personality and Social Psychology.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96921342/-...