☰

الملك محمد السادس يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي


الجمعة 9 أكتوبر 2026 à 20:44 |



الرباط – 9 أكتوبر 2026

وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، خطابا ساميا إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة. وكان جلالته مرفوقا بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد.

وجاء الخطاب، الذي نشرت نصه وكالة المغرب العربي للأنباء، مكثّفا وواضح الأولويات. فقد وضع الاقتصاد والتحول التكنولوجي في قلب المرحلة الجديدة، وذكر الذكاء الاصطناعي صراحة ضمن الاستراتيجيات الكبرى التي يتعين إطلاقها.

ويمكن متابعة مراسم الافتتاح كاملة هنا :


ولاية في «ظرفية استثنائية»

استهل جلالة الملك خطابه بتهنئة أعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين، ثم حدد الإطار العام للمرحلة بقوله:

«وتأتي هذه الولاية في ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص، التي قد لا تتكرر، لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات.»

وعبّر جلالته عن انتظاره أن تكون الولاية الجديدة نقطة تحول في المسار التنموي للمملكة:

«وإننا ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.»

وتختصر عبارة «قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة» الرهان الأساسي للخطاب، فهي تقرن الطموح الاقتصادي بشرط التوازن الاجتماعي والمجالي.

الذكاء الاصطناعي في صلب الاستراتيجيات الكبرى

أهم ما في الخطاب من الناحية الاقتصادية هو الدعوة إلى انتقال نوعي في التخطيط الاستراتيجي للمملكة. فبعد التذكير بالسياق الدولي، قال جلالة الملك:

«في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو - اقتصادية، انخرطت بلادنا، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى.»

ثم أعلن عن التوجه الجديد:

«واليوم، إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة، في البنيات التحتية، يتعين إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لاسيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.»

ولهذه الفقرة دلالة واضحة. فالذكاء الاصطناعي يرد فيها إلى جانب الأمن المائي والطاقي والغذائي، أي إلى جانب القطاعات التي تُعدّ من صميم السيادة الوطنية، ولم يعد يُطرح بوصفه موضوعا تقنيا أو قطاعيا محدودا. كما يربط الخطاب بين الاقتصاد الرقمي والإقلاع الصناعي، مما يوحي بأن التحول التكنولوجي جزء من تحديث النسيج الإنتاجي، وليس مسارا قائما بذاته، وهو توجه سبق أن تجلّى في مشاريع مثل مركز الذكاء الاصطناعي المزمع إنشاؤه في تطوان.

السيادة الاقتصادية والاحتياطات الاستراتيجية

وفي امتداد منطق الأمن الاقتصادي، جدّد جلالة الملك دعوة سبق أن أطلقها:

«كما ندعو من جديد، إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة، في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية.»

ويدل تعبير «من جديد» على أن هذا الورش ما زال يحتاج إلى تسريع، في عالم أصبحت فيه سلاسل التوريد عرضة للاضطراب.

القطاع الخاص: من فاعل اقتصادي إلى فاعل استراتيجي

وخصّ الخطاب القطاع الخاص الوطني بنداء مباشر يحدد ما يُنتظر منه:

«وفي هذا السياق، نهيب بالقطاع الخاص الوطني، للارتقاء إلى فاعل استراتيجي، في التحول التنموي ببلادنا، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير.»

ويتضمن هذا النداء أربعة مطالب محددة: المبادرة والابتكار، وخلق فرص الشغل، والاستثمار، والتصدير. وهي المؤشرات نفسها التي يقاس بها أداء اقتصاد يطمح إلى أن يكون «صاعدا».

الشباب: الإدماج الاقتصادي أولوية

وربط جلالة الملك بين التحول الاقتصادي وقضايا الشباب، داعيا إلى وضعها «في صدارة السياسات العمومية»، «من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي».

والهدف من ذلك، حسب الخطاب، تعزيز ثقة الشباب «في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار».

الاستثمار المنتج رهين بالجهوية واللاتمركز

ومن أقوى نبرات الخطاب ما ورد بشأن اللاتمركز الإداري. فقد ربط جلالة الملك صراحة بين نجاعة الاقتصاد وإصلاح الإدارة الترابية:

«فالنهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري.»

ونبّه إلى أن التأخير والاختلالات التي ما زالت تعرقل هذا الورش «تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، قبل أن يقول بلهجة حاسمة:

«لذا، نشدد على أنه لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات.»

ودعا جلالته كذلك إلى إزالة العراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، عبر تحديد أوضح للاختصاصات والرفع من مواردها، وإلى إرساء «آليات للتنسيق والتعاقد» بين الدولة والجهات، لتمكين هذه الأخيرة من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع. واعتبر أن «الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي».

محاور أخرى في الخطاب

الاعتزاز بالهوية الوطنية: استحضر جلالة الملك عبارة قالها من المنبر نفسه سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، مؤكدا أن المغرب «أمة من أعرق الأمم في العالم، تحت راية ملكية عريقة». وأوضح أن هذا الاعتزاز «ليس من أجل التباهي»، بل هو «الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني».

الهجرة والعلاقات مع إسبانيا: أشاد الخطاب بنتائج المقاربة المغربية المتوازنة في تدبير الهجرة، لكنه اعتبر أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال «أصبح متجاوزا». وفي ما يخص إسبانيا، أشار جلالته إلى تحديات مرتبطة بـ«المقتضيات القانونية المتجاوزة» و«القرارات القضائية البعيدة عن الواقع» التي تحول دون ترحيل القاصرين ومنتحلي صفة اللجوء. وردّ على «التصريحات اللامسؤولة» بالتأكيد أن الشراكة «اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز». وأعلن أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية جديدة «يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي».

مسؤولية البرلمانيين: ختم جلالة الملك خطابه بتذكير النواب بأن الانتداب البرلماني «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي» يربطهم بالمواطنين، داعيا إياهم إلى أن يكونوا في مستوى هذه المسؤولية «أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

يحدد الخطاب أولويات الولاية الجديدة في ثلاثة محاور مترابطة. أولها اقتصاد يجمع بين السيادة (الماء والطاقة والغذاء والاحتياطات الاستراتيجية) والتحول التكنولوجي (الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي). وثانيها قطاع خاص مطالب بأن يكون فاعلا استراتيجيا. وثالثها إدارة ترابية لم يعد مقبولا أن تتأخر في نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات. ويبقى التحدي في ترجمة هذا الجيل الجديد من الاستراتيجيات إلى سياسات ومشاريع ملموسة خلال الولاية الحالية.

📌 اقرأ أيضاً في «الخبر» إيوزيرا والمغرب يتعاونان لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي بقدرة 386 ميغاوات في تطوان يدمج المغرب الذكاء الاصطناعي في نظامه القضائي لتحسين العمليات شراكة مغربية أمريكية واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي



المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98321261/khitab-mal...


: في نفس القسم