تشير دراسة نُشرت في مجلة «أرشيف علم نفس الدين» (Archive for the Psychology of Religion) إلى أن الشعور بصلة روحية عميقة بمكان مادي بعينه يرتبط بصحة نفسية أفضل، ولا سيما لدى من يعانون الإحساس بأن وجودهم لا يعني شيئًا لمن حولهم. وقد عرض موقع «سايبوست» المتخصص في أخبار علم النفس نتائج هذه الدراسة يوم 24 فبراير 2026، مرفقةً بتصريحات لمؤلفها الرئيسي.
مكانٌ يُستشعَر فيه المقدّسأعدّ الدراسة فيكتور كاونتد، الأستاذ المشارك ومدير مكتب البحث والبرامج المموّلة في جامعة ريجنت الأمريكية، بالاشتراك مع بنجامين ميغر وريتشارد كاودن. وينطلق كاونتد من ملاحظة مفادها أن علم النفس البيئي اهتمّ طويلًا بـ«التعلّق بالمكان»، أي الروابط العاطفية بالبيت أو الحيّ، في حين انصرف علم نفس الدين إلى التعلّق الروحي بالإله، من غير أن يلتقي الحقلان إلا نادرًا. ومن هنا سعى إلى دراسة ما يسمّيه الرابطة «المقدّسة المكانية»: الصلة التي يعقدها الإنسان مع بيئة يعدّها مقدّسة.
ولا يشترط هذا المكان أن يكون مبنى دينيًا تقليديًا؛ فقد يكون ركنًا هادئًا في حديقة، أو زاوية مخصّصة في غرفة الجلوس. ويقول كاونتد إن تحليلًا سابقًا أجراه مع فريقه كشف أن الناس لا يجدون هذه الصلة في الكاتدرائيات الكبرى والطبيعة فحسب، بل أيضًا في أماكن قليلة الارتياد كالمقابر وأماكن الذكرى، وفي «محاريب» منزلية خاصة.
الشعور بالأهمية في زمن العزلةتتناول الدراسة ما يسمّيه علماء النفس «الشعور بالأهمية» (mattering)، أي اعتقاد المرء بأنه ذو قيمة لدى الآخرين وأن لوجوده أثرًا. فإذا اهتزّ هذا الشعور، أحسّ الإنسان بأنه غير مرئي، وازدادت لديه الوحدة والقلق. وقد شكّلت جائحة كوفيد-19 سياقًا مناسبًا لاختبار ذلك: فالعزلة الواسعة دفعت كثيرين إلى مواجهة هذا الإحساس، في الوقت الذي أُغلقت فيه الفضاءات الجماعية، فصار الناس يقضون وقتًا أطول في بيوتهم أو في الطبيعة.
اعتمد الباحثون على بيانات «المسح الوطني للدين والروحانية 2022» في الولايات المتحدة، وشملت العيّنة 3640 بالغًا اختيروا ليمثّلوا السكان من حيث العمر والجنس والعرق والمستوى التعليمي. وجُمعت البيانات بين 9 نوفمبر و7 ديسمبر 2022، عبر بوابة إلكترونية آمنة أو مقابلات هاتفية.
وطُلب من المشاركين التفكير في تجاربهم منذ بداية الجائحة في مارس 2020، وتقييم ثلاثة أمور: مدى تعزّز صلتهم الروحية بأماكن يعدّونها مقدّسة، ومدى تساؤلهم عمّا إذا كانت حياتهم ذات قيمة فعلًا، ثم تقديرهم لتطوّر صحتهم النفسية، هل ساءت أم بقيت على حالها أم تحسّنت. كما أخذ الباحثون في الحسبان عوامل أخرى، منها العمر والجنس ودخل الأسرة والتوجّه السياسي والانتماء الديني.
المكان مرساةً عاطفيةجاءت النتائج في اتجاهين متقابلين: فالذين تساءلوا عن قيمة وجودهم كانوا أكثر ميلًا إلى الإبلاغ عن تراجع صحتهم النفسية، بينما مال الذين تعزّزت صلتهم الروحية بمكان ما إلى الإبلاغ عن تحسّنها. وأفاد نحو 29 في المئة من المشاركين بأن صلتهم بمكان مقدّس قويت خلال الجائحة.
غير أن النتيجة الأبرز هي ما يسمّيه الباحثون «الأثر الواقي»: فلدى من يشعرون برابطة روحية قوية بمكان معيّن، كان الأثر السلبي للإحساس بانعدام القيمة أضعف بشكل ملحوظ. وبدا المكان كأنه مرساة عاطفية توفّر مصدرًا بديلًا للاستقرار والمعنى. ويرى كاونتد أن ما فاجأه هو قوة هذا الأثر، إذ لم تقتصر الصلة الروحية بالمكان على الارتباط بالعافية النفسية، بل أضعفت تحديدًا العلاقة بين الشعور بعدم الأهمية وتدهور الحالة النفسية، وهو ما يعدّه آلية متينة للصمود. كما لاحظت الدراسة أن النساء كنّ أكثر ميلًا بقليل من الرجال إلى الإبلاغ عن تعزّز هذه الصلة.
ويلخّص الباحث الدرس العملي في أن المحيط المادي مورد نفسي حيوي، سواء أكان دار عبادة أم موضعًا هادئًا في الطبيعة أم ركنًا مخصّصًا في البيت، وهي فكرة تتقاطع مع الإقبال المتزايد على الخلوات الصامتة بحثًا عن السكينة.
حدود ينبغي أخذها في الحسبانتبقى للدراسة حدود يقرّ بها مؤلفها نفسه. فهي دراسة مقطعية جُمعت بياناتها في لحظة واحدة، ومن ثمّ لا تسمح بإثبات علاقة سببية: فقد يكون حسن الحال النفسية هو ما يدفع المرء إلى البحث عن أماكن روحية، لا العكس. كما أن السياق الاستثنائي للجائحة ربما ضخّم حدّة هذه المشاعر مقارنة بالأوقات العادية.
ويحذّر الباحثون من قراءة النتائج على أنها تخصّ المتديّنين وحدهم، إذ يرون أن استشعار المقدّس في مكان ما تجربة نفسية واسعة تتجاوز الانتماء الديني المنظّم، وتشمل تنظيم الجسد والتواصل العاطفي، سواء في كاتدرائية أو في غابة كثيفة. ويطمح كاونتد إلى أن تُفيد هذه الأبحاث مستقبلًا في التخطيط العمراني والعلاج النفسي، وإلى إجراء دراسات طولية تتتبّع هذه الروابط عبر مراحل العمر وفي ثقافات غير غربية، رغم ما يواجهه من قلّة التمويل. وخلاصته أن الإنسان، كي يزدهر، يحتاج إلى أن يكون متجذّرًا في العالم من حوله.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98534757/makan-muqad...