المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

المقال اللانهائي: كيف تصنع الخوارزميات ما نقرأه وما نهتم به


الاربعاء 7 أكتوبر 2026 à 14:11 |




تخيّل أن تستيقظ صباحًا، تُعدّ قهوتك، ثم تفتح هاتفك لتجد مقالًا لم يكتبه صحافي لشريحة واسعة من القرّاء، بل كُتب لك أنت. مقال يعرف الأحداث التي تتابعها، والشركات التي تراقبها، والأفكار التي تشغلك، والكتّاب الذين تعود إليهم. لا يكتفي بأن يضع أمامك روابط وعناوين، بل ينسجها في سرد واحد، ويتيح لك التوقّف عند أي فقرة وسؤاله: ماذا يعني هذا؟ ما خلفيته؟ وكيف يرتبط بما قرأته أمس؟

هذه هي فكرة “المقال اللانهائي” التي طرحها ناثان باشيز: تجربة قراءة لا تقوم على التنقّل بين مقالات منفصلة، بل على نصّ متدفق يتغير ويتوسع بحسب اهتمام القارئ وأسئلته. لكن هذه الفكرة، التي تبدو في ظاهرها وعدًا بمعرفة أكثر قربًا وفائدة، تفتح أيضًا سؤالًا أعمق: ماذا يحدث حين تصبح الآلة هي التي ترتّب عالمنا المعرفي، لا التي تساعدنا فقط على الوصول إليه؟



من قائمة الروابط إلى نصّ يرافق القارئ

اعتدنا على الإنترنت بوصفه فضاءً من الاختيارات: نبحث في غوغل، نمرّ على العناوين في الشبكات الاجتماعية، نضغط رابطًا ثم نغلقه لننتقل إلى رابط آخر. في هذه التجربة، حتى لو كانت الخوارزميات تقترح علينا ما نراه، يبقى المقال وحدة مستقلة: له كاتب ومصدر وتاريخ وسياق يمكن الرجوع إليه.

أما المقال اللانهائي فيقترح تجربة مختلفة. بدل أن يطلب من القارئ أن يتنقّل بين عشرات الصفحات، يجمع له المعلومات في مساحة واحدة متواصلة. يبدأ بملخص للأشياء التي يرجّح أنها تهمّه اليوم، ثم يتمدّد كلما طلب مزيدًا من الشرح أو التحليل أو الأمثلة.

قد يبدو ذلك أشبه بالانتقال من حضور محاضرة في قاعة مزدحمة إلى جلسة فردية مع معلّم يعرف أسئلتك السابقة. لا يعود القارئ مضطرًا إلى تعلّم لغة محركات البحث، أو تخمين الكلمات المفتاحية المناسبة، أو غربلة مئات النتائج. يكفي أن يقول: “أخبرني أكثر”، أو: “اربط هذا بما حدث في الأسبوع الماضي”.

ولعلّ جاذبية هذا الوعد لا تكمن في السرعة وحدها، بل في الشعور بأن المعرفة لم تعد باردة وعامة، بل صارت تتكيّف مع مسار الفرد وفضوله الخاص.


ما الذي يحتاجه هذا الحلم؟

لكي يصبح المقال اللانهائي ممكنًا، لا يكفي نموذج لغوي قادر على كتابة فقرات سليمة. يحتاج النظام إلى مجموعة من القدرات المتداخلة:

  • فهم اللغة والأسئلة، بما فيها الأسئلة الملتبسة أو غير المكتملة.
  • التعرّف باستمرار إلى معلومات وأحداث جديدة.
  • اختيار ما هو مهم لكل قارئ، لا ما هو الأكثر انتشارًا فقط.
  • تلخيص المعلومات وصياغتها في سرد واضح ومقنع.
  • وصل الأخبار والأفكار المتباعدة، بدل عرضها كقطع منفصلة.
  • الإجابة عن الأسئلة اللاحقة من دون اختراع معلومات أو تجاوز ما تعرفه المصادر.
  • بناء صورة متغيرة عمّا يعرفه القارئ، وما لا يعرفه بعد.
  • فهم اهتماماته وسبب اهتمامه، لا مجرد تسجيل نقراته.
  • تذكّر هذه الصورة وتعديلها مع تغيّر حياة القارئ وميوله.

المسألة، إذن، ليست في إنتاج نص جميل فحسب. إنها مسألة معرفة: من يختار ما الذي يستحق أن يُعرض؟ وعلى أي أساس؟ ومن يحدد ما إذا كانت المعلومة موثوقة، أو إذا كان هذا السياق كافيًا لفهمها؟

في عام 2022، حين كُتب المقال الأصلي، كان واضحًا أن النماذج اللغوية تستطيع التلخيص وصياغة الإجابات بأسلوب مقنع، لكنها كانت تعاني من مشكلة أساسية: يمكنها أن تنتج كلامًا متماسكًا من دون أن يكون صحيحًا. أي أنها قد تُجيب بثقة عن حدث لم يقع، أو تشرح سببًا اقتصاديًا لا يستند إلى بيانات حقيقية.

وهذا التوتر لم يختفِ مع تطور الأدوات. بل صار أكثر أهمية، لأن قدرة النماذج على الكتابة المقنعة تجعل الخطأ أكثر صعوبة في الاكتشاف.


المعرفة المريحة ليست بالضرورة معرفة أفضل

هناك إغراء واضح في المقال الشخصي المتواصل: أن يوفّر علينا الوقت والجهد. لكن بعض الجهد الذي نبذله في القراءة ليس عيبًا يجب التخلص منه دائمًا. البحث، والمقارنة بين المصادر، وملاحظة اختلاف الصياغات، والعودة إلى النص الأصلي؛ كلها ممارسات تجعل القارئ أقل اعتمادًا على وسيط واحد.

حين يقدّم لنا نظام ذكي خلاصة مصممة خصيصًا لاهتماماتنا، قد يبدو كأنه يحرّرنا من الفوضى المعلوماتية. لكنه قد يحرّرنا أيضًا من الاحتكاك الذي يوسّع أفقنا.

فالخوارزمية التي تعرف ما نحب قد تتقن تقديم المزيد مما نحب. ومع الوقت، قد يصبح العالم الذي تعرضه علينا أكثر انسجامًا مع ذوقنا، وأقل قدرة على مفاجأتنا أو إزعاجنا أو تحدّي افتراضاتنا. ليست المشكلة أن نقرأ ما يهمنا؛ فذلك طبيعي ومشروع. المشكلة تبدأ حين تصبح اهتماماتنا السابقة هي المعيار الوحيد لما يمكن أن نراه لاحقًا.

يمكن تشبيه الأمر بصديق يعرفك جيدًا ويقترح عليك دائمًا المطاعم التي تحبها. في البداية ستشعر بالامتنان. لكن إن لم يقترح عليك أبدًا طعامًا مختلفًا، فلن تعرف ما الذي يمكن أن تحبه أيضًا.


بين التوصية والكتابة

نحن نعرف بالفعل أثر المحتوى الذي توصي به المنصات: فيديوهات مقترحة، منشورات تتصدّر الخلاصة، عناوين تُصاغ لتشدّ الانتباه. لكن المقال اللانهائي ينقل المسألة إلى مستوى آخر.

التوصية التقليدية تقول لك: “اقرأ هذا المقال”. أما النظام الذي يولّد النص فيقول ضمنيًا: “دعني أكتب لك النسخة التي ينبغي أن تقرأها من العالم”.

الفارق مهم. ففي التوصية، حتى لو كانت منحازة أو ضيقة، يظلّ أمام القارئ مصدر يمكن فحصه وكاتب يمكن مساءلته وسياق يمكن تتبعه. أما في النص المولّد، فقد تختلط مصادر متعددة في صياغة واحدة، وقد تختفي حدود الاقتباس والتفسير والرأي والتخمين.

من المسؤول إذا أخطأ هذا النص؟ هل هو النموذج؟ الشركة التي صممته؟ المؤسسة التي زوّدته بالمصادر؟ أم القارئ الذي وثق به؟

هذه ليست أسئلة تقنية فقط، بل أسئلة عن السلطة. لأن من يختار المعلومات، ويرتبها، ويضعها في سياق، يؤثر في ما نراه مهمًا وما نعتبره ممكنًا أو طبيعيًا أو مخيفًا.


هل يمكن لخوارزمية أن تتعلّم الحذر؟

لا تكمن مشكلة الحقيقة في التمييز البسيط بين الصحيح والخاطئ. أحيانًا تكون الوقائع واضحة ويمكن التحقق منها؛ وأحيانًا أخرى تكون المعطيات ناقصة، أو تتغير بسرعة، أو تتعارض فيها شهادات موثوقة. وفي قضايا كثيرة، لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، بل في اختلاف تفسيرها.

لهذا لا يكفي أن نقول إن النظام يجب أن “لا يكذب”. المطلوب هو أن يعرف متى يقول: لا أعلم. وأن يميّز بين الخبر المؤكد والتقدير والتوقع والرأي. وأن يكشف مصادره، ويشير إلى ما هو غير محسوم، ويمنح القارئ إمكان العودة إلى النصوص الأصلية.

ربما تكون القيمة الحقيقية لأداة كهذه ليست في أن تبدو واثقة دائمًا، بل في أن تكون صريحة بشأن حدودها. المعرفة الناضجة لا تعني امتلاك إجابة فورية عن كل شيء؛ بل تعني معرفة درجة الثقة التي تستحقها كل إجابة.


انتباهنا: المورد الذي لا نراه

في النهاية، لا يتعلّق المقال اللانهائي بالمعلومات وحدها، بل بالانتباه. ما نقرأه باستمرار يغيّر ما نفكر فيه، وما نخافه، وما نطمح إليه. وإذا كان شخص قريب متحمسًا لفكرة ما، قد تنتقل إلينا عدوى اهتمامه بسهولة. فكيف سيكون الأمر إذا كانت الجهة التي توجّه انتباهنا نظامًا يعمل طوال الوقت، ويتعلّم من كل توقف وكل نقرة وكل سؤال؟

قد يستطيع هذا النظام أن يساعد طالبًا على فهم موضوع معقد، أو يرافق قارئًا في استكشاف مجال جديد، أو يوفّر للناس مدخلًا أوضح إلى الأخبار والمعرفة. هذه إمكانات حقيقية ومغرية.

لكن يمكنه أيضًا أن يتحول إلى بيئة فكرية مغلقة: بيئة تُغذّي اندفاعاتنا السريعة، وتكافئ الفضول السطحي، وتدفعنا إلى مزيد من المحتوى الذي يشبه ما استهلكناه من قبل. ليس لأن النظام “شرير”، بل لأنه قد يكون مصممًا على تعظيم شيء يسهل قياسه: مدة القراءة، عدد التفاعلات، أو احتمال العودة إلى التطبيق.

وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن يرافق أي حماس للذكاء الاصطناعي: ما الذي نريد تحسينه فعلًا؟ هل نريد أن نقرأ أكثر؟ أم أن نفهم أفضل؟ هل نريد نصًا يعرفنا تمامًا؟ أم نحتاج، أحيانًا، إلى نص لا يعرفنا كي يفاجئنا؟


نحو قارئ لا مستهلك فقط

ربما سيصل المقال اللانهائي، بصورة أو بأخرى. فقد بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل تقترب من بعض عناصره: التلخيص، والحوار، والبحث في الوثائق، والتوصية، وصياغة الشروح بحسب مستوى القارئ.

لكن السؤال الأهم ليس متى سيصل، بل كيف نريد أن نعيش معه.

يمكن أن يصبح هذا المقال أداة تعلم عميقة إذا حافظ على تعدد المصادر، وأظهر درجات اليقين، وترك مساحات للاعتراض والبحث المستقل، واقترح على القارئ ما يتجاوز اهتماماته المعتادة. ويمكن، في المقابل، أن يتحول إلى مرآة ناعمة لا تعكس إلا رغباتنا وآراءنا السابقة.

ليست المشكلة في أن تساعدنا الآلة على القراءة. المشكلة تبدأ حين تقرأ العالم بدلًا منا، ثم تقنعنا أن ما اختارته لنا هو العالم كله.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98274777/i...



Rss
Twitter
Newsletter