تدخل جولة المفاوضات الجارية حول الصحراء الغربية، برعاية مباشرة من الولايات المتحدة، مرحلة توصف بأنها مفصلية في مسار هذا النزاع الممتد منذ ما يقارب نصف قرن، بعد اعتماد قرار جديد لمجلس الأمن أعاد تأكيد مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعاً مركزياً للعملية السياسية. وتتم هذه المشاورات، التي انطلقت منذ أسابيع، في صيغة مغلقة بعيداً عن التغطية الإعلامية، داخل قاعات دبلوماسية محمية في مدريد وواشنطن، وبوفود مصغّرة لا يتجاوز كل منها ثلاثة أعضاء، مع جدولة جولات أخرى خلال الأشهر المقبلة بما يعكس إرادة في ضبط الإيقاع وتقييد عدد المتدخلين في لحظة تفاوضية يُراد لها أن تبقى تحت مراقبة محكمة.
في قلب هذا الترتيب الجديد تبرز الإدارة الأمريكية بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في هندسة المسار، من خلال دور محوري للمستشار الخاص للرئيس للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولوص، الذي يتولى تنسيق الجهود السياسية انطلاقاً من تصور يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية الإطار العملي الوحيد القابل للبناء عليه. ويتقاسم بولوص إدارة الملف مع السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، في امتداد لدور واشنطن في الدفع نحو القرار الأممي الأخير وصياغة توازن لغوي يكرّس أولوية مقاربة الحكم الذاتي مع الإبقاء على المرجعية الأممية العامة. ويشارك في بعض الجلسات مسؤولون من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، من بينهم ممثلون لمكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية، في مؤشر على أن التعاطي مع الصحراء الغربية لم يعد محصوراً في القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل بات يتداخل مع اعتبارات أمنية أوسع تتصل بالاستقرار الإقليمي ومراقبة التحولات في الساحل والمغرب العربي.
إلى جانب هذا الحضور الأمريكي الكثيف، يحافظ مكتب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا على موقع واضح في المشهد، من خلال المشاركة المباشرة في الجلسات بوظيفة أقرب إلى الضامن والوسيط التقني منها إلى المدير السياسي الفعلي للمسار. فبعد القرار الأممي الأخير، انتقل مركز الثقل من الإشراف الأممي شبه الحصري إلى ترتيب يدمج بين شرعية مجلس الأمن وثقل القوة الراعية، مع استمرار ولاية بعثة المينورسو وتجديد تكليف المبعوث الخاص بمواكبة أي تفاهمات يتم التوصل إليها. هذا التموضع يمنح الأمم المتحدة دور الشريك في إدارة العملية، مع الحرص على تفادي أي فراغ قانوني أو ميداني في الإقليم خلال فترة المفاوضات المغلقة وما يمكن أن يليها من ترتيبات انتقالية.
على مستوى الأطراف المعنية مباشرة بالنزاع، تشارك أربع وفود أساسية هي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، في صيغة تستلهم نموذج الموائد المستديرة السابقة لكنها تتحرك في سياق سياسي متغيّر. يتقدّم الوفد المغربي وزير الشؤون الخارجية، إلى جانب الممثل الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، مع انضمام مسؤول من جهاز الاستخبارات الخارجية، بما يعكس حرص الرباط على الربط بين المسار السياسي والأبعاد الأمنية والترابية المرتبطة بتنزيل أي صيغة موسّعة للحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية. في المقابل، تمثَّل الجزائر بوزير خارجيتها وسفيرها في نيويورك، إضافة إلى مسؤول رفيع من جهاز الاستخبارات الخارجية، في إشارة إلى رغبة السلطة الجزائرية في الإحاطة المباشرة بكل تفاصيل النقاش، مع الاستمرار في خطاب يقوم رسمياً على موقع «الدولة المجاورة» مع حضور عملي في كل محطات التفاوض الجوهرية.
أما جبهة البوليساريو فتشارك بوفد يضم مسؤول العلاقات الخارجية وممثليها في كل من نيويورك وواشنطن، وهي صيغة تسمح لها بالتحرك بين المرجعية القانونية التي تتمسك بها منذ عقود، القائمة على مفهوم تقرير المصير عبر استفتاء، وبين واقع دولي وإقليمي يزداد ميلاً إلى مقاربات بديلة تستبقي السيادة المغربية وتمنح الإقليم صلاحيات واسعة في إطار حكم ذاتي. وتدخل الحركة هذه الجولة في لحظة دقيقة، بعدما اعتبرت تحليلات عديدة القرار الأممي الأخير خطوة إضافية في اتجاه تكريس مبادرة الحكم الذاتي على حساب رؤيتها التقليدية، ما يضعها أمام تحدي إعادة صياغة خطابها السياسي وتكتيكاتها التفاوضية بما يجنّبها التهميش في أي صيغة نهائية محتملة. في الضفة الأخرى، تحافظ موريتانيا على تمثيل دبلوماسي محدود يقوده وزير الخارجية وسفيراها في نيويورك وواشنطن، مع حرص واضح على مقاربة حذرة تراعي توازن علاقاتها مع الأطراف الثلاثة، وتضع في الاعتبار تأثير أي تسوية على أمنها الحدودي وعلى موقعها في شبكة العلاقات الإقليمية بين الساحل والمحيط الأطلسي.
طبيعة الاجتماعات، الخالية من الصور التذكارية والبيانات المشتركة، تسمح للأطراف بتبادل أوراق عمل وصيغ مقترحة بعيداً عن ضغط التصريحات العلنية وردود الفعل الداخلية، في حين تشير قراءات متقاطعة إلى أن السرية تخدم هدفاً أمريكياً أساسياً هو اختبار حدود التراجع الممكن لدى كل طرف قبل الانتقال إلى مرحلة إعلان تفاهمات أكثر وضوحاً. كما يرى عدد من المتابعين أن ما يجري يتجاوز البحث في تفاصيل تقنية لصيغة الحكم الذاتي، ليمس إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث يُنظر إلى إخماد النزاع أو إدخاله في مرحلة تجميد منظم ضمن اتفاق سياسي، باعتباره مدخلاً لإعادة تشكيل الشبكات الأمنية والاقتصادية العابرة للحدود. في هذا المشهد المفتوح، تبقى مآلات المسار رهن قدرة هذه الصيغة الضيقة من المفاوضات على إنضاج أرضية تفاهمات قابلة للإعلان، وعلى تحويل النقاش من مستوى إدارة الأزمة إلى مستوى بلورة ترتيب نهائي أو شبه نهائي يحدّد مستقبل الإقليم وعلاقات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية به.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95405113/almfao...