تبحث دراسة للمستعرب الفرنسي فرانسوا ديروش في المسار الذي انتقل عبره القرآن من خطاب متلوّ إلى كتاب مخطوط، وفي الأدوار التي أدتها نسخه المادية داخل المجتمعات الإسلامية. وتعرض الدراسة أن تاريخ المصحف لا يقتصر على ضبط النص أو تطور الخط والزخرفة، بل يمتد إلى موقعه بوصفه شيئا ماديا حاضرا في المساجد والمؤسسات الدينية وفي تمثيل السلطة والوجاهة والتقوى.
وتشير الدراسة إلى أن لفظ القرآن نفسه يحيل في الأصل إلى التلاوة والشفاهة، فيما تكاثر استعمال لفظ الكتاب في مراحل لاحقة من الوحي بحسب قراءات بحثية تناولت المصطلحات القرآنية. وفي هذا التحول، بدا القرآن قابلا للمقارنة مع التوراة والإنجيل، ليس من حيث الرسالة فقط، بل من حيث صورة الكتاب المادي أيضا. وقد ساهم حضور تقاليد أهل الكتاب في البيئة المحيطة في ترسيخ فكرة جمع الوحي ضمن مصحف.
وتورد المصادر المبكرة، بحسب ديروش، أن الوحي كان يدوّن خلال حياة النبي محمد على مواد متفرقة، من بينها العظام وسعف النخل والحجارة والرق والبردي. غير أن الدراسة تستبعد وجود نسخة مكتوبة نهائية ومغلقة أشرف عليها النبي بنفسه، لأن الوحي كان لا يزال مستمرا، ولأن بعض الآيات كانت تُنسخ أو تستبدل، فضلا عن تداول قراءات متعددة. ويربط الباحث اكتمال فكرة الكتاب، في جانب منها، بانتهاء الوحي بوفاة النبي.
وتتناول الدراسة روايات جمع القرآن في عهدي الخليفتين أبي بكر وعثمان بن عفان. وتوضح أن الدافع المعلن في الروايات التقليدية كان معالجة حدود النقل الشفهي، سواء خشية فقدان الحفظة أو بسبب اختلاف القراءات بين الجنود في الفتوحات. غير أن أقدم المخطوطات المتاحة لا تؤيد، في نظر الباحث، تصور مصحف مبكر قادر وحده على حسم القراءة؛ إذ كانت العلامات الفارقة بين الحروف قليلة، وكانت الحركات غائبة، ما أبقى الحاجة قائمة إلى الحفظ والرواية الشفهية.
وترى الدراسة أن جمع عثمان أدى، مع ذلك، إلى تحول مهم في مكانة المصحف. فإرسال نسخ إلى المدن الكبرى لم يكن مجرد حفظ لنص متداول، بل مثّل خطوة نحو نشر نسخة مرجعية داخل الجماعة. وقد وضعت هذه المصاحف في المساجد، لا لدى أفراد أو سلطات محلية، بما منحها وظيفة عامة. أما اكتمال وسائل الضبط الكتابي التي تيسّر القراءة الدقيقة، فلم يتحقق إلا بعد قرون، مع تطور التنقيط والشكل وتثبيت قواعد الرسم.
وتتوقف الدراسة عند المصاحف الضخمة التي نُسب عدد منها لاحقا إلى عثمان بن عفان. وتبين أن هذه النسب لا تثبت عادة أصالة المخطوطات، إذ يرجع تاريخ النسخ التي فُحصت إلى فترة متأخرة بعقود أو قرون عن وفاة الخليفة. لكنها تكشف عن المكانة التي اكتسبتها شخصية عثمان في الذاكرة الإسلامية، وعن الحاجة إلى تجسيد صلة مادية بين المجتمع والنص المؤسس.
وتشرح الدراسة أن المصاحف العملاقة لم تُنجز أساسا لتيسير القراءة اليومية. فبعضها بلغ نحو 55 في 65 سنتيمترا، واحتاج إلى مئات الرقوق الجلدية، فيما حملت الصفحة الواحدة اثني عشر سطرا فقط. وتفترض أن ضخامتها أدت وظيفة بصرية ورمزية، إذ حولت المصحف إلى علامة على مكانة الوحي ومكانة الجهة التي موّلت نسخه. كما ارتبطت هذه المصاحف بالمنافسة في إظهار القدرة المادية، وبمحاولات إبراز مكانة النص القرآني أمام تقاليد الكتب المقدسة الأخرى.
وتقدم الدراسة أمثلة من دمشق والقيروان وقرطبة ومراكش والقاهرة وسمرقند. ففي القيروان، وُقف مصحف في ثلاثين جزءا على الجامع الكبير سنة 1020، وحُفظ في صندوق خشبي يحمل إشارات إلى صاحبة الوقف. وفي دمشق، ارتبط مصحف منسوب إلى عثمان بممارسات تبجيلية وبوظائف سياسية، كما استُحضر عند تعرض المدينة للخطر. وفي قرطبة، كانت أوراق منسوبة إلى المصحف العثماني تدخل في مراسم مرتبطة بصلاة الجمعة، قبل نقلها إلى مراكش في العصر الموحدي.
وتخلص الدراسة إلى أن انتقال القرآن إلى هيئة مخطوط لم يقلل من أهمية الحفظ الشفهي، بل أضاف إليه بعدا جديدا. فقد أصبح المصحف أداة لحفظ النص وتداوله، وموضوعا للوقف والرعاية، وعلامة مرئية للتقوى والسلطة والانتماء داخل المدن والمجتمعات الإسلامية.
اقرأ أيضًا في سُبْحة
مخطوطات القرآن لمحمد المسيح بين الرواية والتراث المادي إشكالية فهم النص القرآني في الدراسات الاستشراقيةمن شبكتنا: تعرّف على مواقع شبكة المقالاتي العربية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98274276/francois-de...