الكتابة بالذكاء الاصطناعي تربك معايير مقالات الرأي الصحفية


السبت 19 شتنبر 2026 à 17:46 |



لم تعد صفحات الرأي بمنأى عن التحول الذي أحدثته أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في غرف الأخبار وفي ممارسات الكتابة العامة. فقد أعادت قضية مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في أواخر أغسطس النقاش حول حدود استخدام هذه الأدوات في النصوص الموقعة بأسماء أصحابها، ولا سيما حين يتعلق الأمر بمقالات يفترض أن تعبر عن تحليل شخصي أو خبرة مهنية أو موقف فكري لصاحب التوقيع.



تعلقت القضية بمقال رأي كتبه الملياردير الأميركي ستانلي دراكنميلر وانتقد فيه تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في سوق السندات. وأظهرت أداة «بانغرام» لرصد المحتوى المولد آليا أن المقال يحمل مؤشرات قوية على استخدام الذكاء الاصطناعي. ولم ينف دراكنميلر الأمر، بل أقر بأنه يستخدم الذكاء الاصطناعي في جميع كتاباته، معتبرا ذلك مشابها لاستخدام الآلة الحاسبة في العمليات الحسابية. لكنه أوضح أن الأداة لم تنتج النص كاملا، وأنه رفض عددا من مقترحاتها أثناء صياغة المقال.


ودافعت إدارة صفحة الرأي في «وول ستريت جورنال» عن نشر المقال، معتبرة أن السؤال الأساسي لا يتعلق باستخدام أداة تقنية في حد ذاته، بل بمدى تعبير النص عن الحجة الأصلية لصاحبه وبمصداقية الكاتب وخبرته في الموضوع. كما قارنت الصحيفة استعانة المساهمين الخارجيين بالذكاء الاصطناعي بلجوئهم إلى مستشاري الاتصال أو كتاب الخطابات، وهي ممارسة شائعة في المجالين السياسي والاقتصادي. وبذلك ركز موقفها على مسؤولية صاحب التوقيع عن المضمون، أكثر من تركيزه على طريقة الإنتاج اللغوي للنص.


غير أن هذه المقاربة لا تحظى بقبول واسع لدى الصحف الأميركية الأخرى. فقد خلص تحقيق أجرته «نيمان لاب» شمل محررين في 24 صحيفة بارزة إلى أن أيا من المؤسسات التي ردت لم تكن مستعدة لاعتماد استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة مقالات الرأي وفق النهج الذي دافعت عنه «وول ستريت جورنال». وتفاوتت السياسات بين منع واضح للنصوص المولدة آليا، وطلب إقرارات من المساهمين بأنهم لم يستخدموا هذه الأدوات، وفحص النصوص التي تبدو مصاغة بأسلوب آلي.


ويعبر هذا التحفظ عن تصور تحريري واسع يرى أن القيمة الخاصة لصفحات الرأي ترتبط بالكلمات والأفكار التي يصوغها بشر مسؤولون عنها. وقد أكدت صحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» أن قراءها يدفعون مقابل أفكار وكلمات أشخاص حقيقيين، مع قبول محدود لاستخدام الأدوات في التحقق من الوقائع أو الوصول إلى المصادر الأولية أو تحسين التعبير عن رأي شخصي كتبه صاحبه. أما إنتاج النص أو بناؤه اعتمادا على الذكاء الاصطناعي، فتعتبره الصحيفة خروجا عن العرض التحريري الذي تقدمه لجمهورها.


وتكشف دراسة «سيمافور» أن الظاهرة، رغم حضورها المتزايد في النقاش، لا تزال محدودة في أهم صفحات الرأي الأميركية. فمن بين 310 مقالات ضيف نشرت خلال شهر في «وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، صنفت أداة «بانغرام» عشرة نصوص على أنها مولدة بنسبة لا تقل عن 80 في المئة بالذكاء الاصطناعي، في حين رصدت استخداما جزئيا في 40 مقالا آخر. وتشير هذه النتائج إلى أن معظم المساهمات ما زالت تبدو بشرية وفق هذا المقياس، لكنها تظهر أيضا أن الأدوات التوليدية بدأت تجد طريقها إلى مساحة كانت تعد من أكثر الأشكال الصحفية التصاقا بالصوت الفردي.


وتبقى هذه التقديرات مرتبطة بموثوقية أدوات الكشف ذاتها. فالدراسات والتجارب المهنية تشير إلى احتمال وقوع نتائج خاطئة، كما يمكن أن تتأثر دقة التصنيف بأسلوب الكاتب ومستوى إتقانه للغة التي يكتب بها. وفي المثال الذي رصدته «سيمافور»، أشار أحد الكتاب إلى أن أدوات الكشف قد تميل إلى الاشتباه في نصوص من يكتبون بلغة ليست لغتهم الأم، حتى لو كان التفكير والبحث وصياغة الفكرة من عملهم الشخصي.


لذلك لا يقتصر الجدل على سؤال تقني حول إمكان اكتشاف النص الآلي، بل يتصل بعقد الثقة بين المؤسسة الإعلامية والقارئ. فالصحف مطالبة بتحديد ما الذي تقبله من المساعدة التقنية: هل يقتصر ذلك على التدقيق اللغوي وتنظيم الأفكار والبحث الأولي، أم يشمل اقتراح الصياغات وكتابة المسودات؟ كما يتعين عليها أن تقرر متى يصبح الإفصاح ضروريا، وكيف يمكن التمييز بين أداة تحسن نصا بشريا وأخرى تحل محل الكاتب في إنتاجه.


وفي ظل انتشار المحتوى المولد آليا، قد تتحول الكتابة البشرية إلى جزء معلن من القيمة التي تبيعها المؤسسات الإعلامية، لا سيما في مقالات الرأي والتحليل. لكن تحويل «الإنسانية» إلى علامة تسويقية أو شهادة تقنية يثير بدوره أسئلة عن الجهة التي تضع المعايير، ومدى قدرة أي أداة على إثبات مصدر النص بصورة قطعية، وعن إمكان استغلال هذه الشهادات تجاريا. وبين القبول غير المشروط والمنع الكامل، يبدو أن التحدي التحريري يتمثل في وضع قواعد معلنة وقابلة للتطبيق، تحمي مسؤولية الكاتب وتوضح للقارئ طبيعة المساهمة الفعلية للذكاء الاصطناعي في المادة المنشورة.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/thkaaaat/i/97954601/ai-wri...


: في نفس القسم