تُظهر نتائج ما يُعرف بـ"الدراسة العالمية للإيمان والإعلام" اتساع فجوة نفسية بين الجمهور ووسائل الإعلام عند تناول القضايا الدينية، حيث يفيد نحو 43% من المشاركين بأن الأسلوب الإعلامي السائد يثير لديهم شعوراً بالاضطراب وعدم الارتياح. هذه المعطيات تضع الصحافة أمام اختبار مهني دقيق، يتعلق بقدرتها على معالجة موضوع شديد الحساسية دون إثارة توتر إضافي لدى المتلقي، وفي الوقت ذاته دون التفريط في متطلبات الدقة والموضوعية.
تشير البيانات إلى أن أحد المسارات العملية لتخفيف هذا التوتر يتمثل في إعادة صياغة زاوية المعالجة، عبر نقل التركيز من الطابع الصراعي إلى البعد الإنساني والاجتماعي المرتبط بالممارسات اليومية للأفراد. فالمواد التي تتناول الفنون الدينية أو التقاليد الثقافية أو المناسبات الجماعية تقدم مدخلاً أقل حدة وأكثر قابلية للتلقي. هذا التوجه يجد ما يدعمه في تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية مثل Pew Research Center، التي رصدت تزايد اهتمام الجمهور بالمحتوى الذي يربط الدين بالحياة اليومية بدلاً من النزاعات.
في موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في بنية غرف الأخبار نفسها. إذ يؤدي غياب التنوع الديني داخل المؤسسات الإعلامية إلى محدودية في فهم التعقيدات المرتبطة بالمعتقدات المختلفة، ما يعزز منسوب الحذر وربما التردد لدى الصحفيين. وتفيد دراسات حول التنوع الإعلامي، من بينها تقارير Reuters Institute for the Study of Journalism، بأن المؤسسات التي تعكس تركيبة مجتمعاتها بشكل أفضل تكون أكثر قدرة على إنتاج محتوى متوازن ودقيق في القضايا الحساسة.
كما تكشف المعطيات أن الجمهور يميل إلى التفاعل مع السرديات القائمة على التجارب الشخصية. إذ تتجاوز نسبة التأييد لاستخدام "التجارب الحية" في التغطية 85%، ما يعكس رغبة واضحة في الابتعاد عن الخطاب المؤسسي الجامد. حضور أصوات متعددة، بما في ذلك النساء، يسهم في تقديم صورة أكثر تنوعاً ويحد من الصور النمطية التي كثيراً ما تطبع التناول الإعلامي للدين. هذا التوجه يتقاطع مع توصيات صادرة عن UNESCO بشأن تعزيز التعددية في الخطاب الإعلامي.
في جانب آخر، تؤكد النتائج أهمية الالتزام بنهج تقريري قائم على الوقائع، بعيداً عن أي نزعة تفسيرية ذات طابع شخصي أو تبشيري. فالتعامل مع القضايا الدينية بنفس المعايير المهنية المطبقة على موضوعات مثل العرق أو النوع الاجتماعي يساهم في ترسيخ الثقة مع الجمهور. هذا المبدأ يتوافق مع مواثيق أخلاقية دولية، مثل تلك التي تعتمدها Society of Professional Journalists، والتي تشدد على الدقة والإنصاف وتجنب التحيز.
عامل الوقت بدوره يلعب دوراً محورياً في تشكيل جودة التغطية. فالتسرع في معالجة موضوعات معقدة يؤدي غالباً إلى اختزال مخل، ما يزيد من احتمالات سوء الفهم. لذلك، فإن الاستثمار في صحفيين متخصصين في الشؤون الدينية يتيح معالجة أكثر عمقاً، ويقلل من الأخطاء الناتجة عن التبسيط الزائد. هذا التخصص لا يقتصر على المعرفة الدينية فحسب، بل يشمل أيضاً القدرة على فهم السياقات الاجتماعية والثقافية المحيطة.
تخلص الدراسة إلى أن تحسين جودة التغطية الدينية لا ينعكس فقط على مستوى الثقة، بل يمتد إلى سلوك الجمهور نفسه. إذ أعرب 56% من المشاركين عن استعدادهم لمتابعة وسائل إعلام تقدم معالجة دقيقة ومتوازنة لهذا النوع من القضايا. هذا الرقم يعكس فرصة واضحة أمام المؤسسات الإعلامية لإعادة بناء علاقتها مع جمهور يبحث عن محتوى يراعي حساسية الموضوع دون أن يتخلى عن العمق.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97355326/qlq-taghtiy...