بعد ثلاثين عاماً على خطف وقتل رهبان دير “سيدة الأطلس” في تيبحيرين جنوب الجزائر خلال الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، تعود ذاكرتهم هذا العام في الكنيسة الكاثوليكية كعلامة على مسار طويل من العيش المشترك والحوار مع المسلمين أكثر منها وقفة عند حدث مأساوي منفصل. ففي ربيع 1996، اختُطف سبعة رهبان تابعين للرهبنة السيسترسانية من ديرهم الجبلي، قبل أن يُعلن تنظيم “الجماعة الإسلامية المسلحة” مسؤوليتَه عن قتلهم بعد أسابيع من الاحتجاز، وهي وقائع باتت ثابتة في السردية الكنسية رغم استمرار بعض التساؤلات القضائية والسياسية حول ظروف مقتلهم الدقيقة. وقد أسهمت هذه الحادثة، منذ ذلك الوقت، في ترسيخ صورةٍ عن دير صغير اختار البقاء في قلب منطقة ريفية جزائرية مضطربة، محافظةً على حياة يومية بسيطة قوامها الصلاة والعمل والعلاقات المتدرجة مع محيط محلي مسلم.
الكنيسة الكاثوليكية جعلت من هذا المسار الروحي والإنساني أحد رموز حضورها المعاصر في بلدان ذات غالبية مسلمة، خصوصاً بعد أن اعترف البابا فرنسيس في عام 2018 “بشهادة الدم” التي قدمها رهبان تيبحيرين ضمن مجموعة من “شهداء الجزائر”، وأُعلنوا مطلع كانون الأول من العام نفسه طوباويين في احتفال أُقيم بمدينة وهران بحضور ممثلين عن السلطات والدولة والمجتمع المدني. بهذا الاعتراف، لم تُقدّم المؤسسة الكنسية قراءة سياسية لأحداث التسعينيات بقدر ما ركزت على خيار هؤلاء الرهبان بالبقاء في الجزائر على الرغم من تصاعد أعمال العنف التي طالت مواطنين جزائريين وأجانب على حد سواء، وهو خيار جرى وصفه مراراً بأنه تعبير عن “وفاء” لبلد وسكان عاشوا بينهم سنوات طويلة.
بمرور السنوات، تحوّلت قصة الدير إلى مرجعية متداولة في الخطاب الكاثوليكي حول الحوار مع الإسلام، إذ يُستعاد مثال الرهبان في الوثائق الكنسية واللقاءات المسكونية على أنه نموذج لـ “حوار الحياة” حيث تسبق الممارسةُ اليومية الشعاراتِ النظرية، فيعيش الرهبان وسط قرية مسلمة على إيقاع المواسم الزراعية والأعياد الدينية والتبادلات البسيطة مع الجيران. على هذا الأساس، تُقدَّم تجربة تيبحيرين داخل الكنيسة بوصفها تجربة تُظهر إمكانية قيام روابط إنسانية وروحية عميقة تتجاوز الانتماءات، من دون أن تُخفي في الوقت نفسه تعقيد المرحلة التاريخية التي حدثت فيها.
العام الحالي يحمل بعداً رمزياً إضافياً، إذ يصادف في السادس والعشرين من آذار مرور ثلاثين عاماً على ليلة الخطف التي غيّرت مصير الدير وجعلت اسمه معروفاً خارج الجزائر. في عدد من الأبرشيات الأوروبية والأفريقية، يجري الإعداد لصلوات وتأملات ومعارض وثائقية حول الرهبان، ويترافَق ذلك مع نشر شهادات لجزائريين ومسيحيين عاشوا تلك الفترة، وصولاً إلى مبادرات إعلامية أنتجتها مؤسسات كاثوليكية لإعادة قراءة الحدث في ضوء السنوات التي تلت، وما شهدته من حروب ونزاعات في مناطق أخرى من العالم.
ضمن هذه الدينامية التذكارية، يحضر البعد الجزائري بقوة، إذ تحرص الكنيسة المحلية على إبراز أن الرهبان لم يكونوا حالة معزولة داخل فضاء مغلق، بل جزءاً من نسيج اجتماعي أوسع تضرر بدوره من العنف المسلح في التسعينيات. شهاداتٌ عديدة نُشرت في السنوات الأخيرة تتحدث عن علاقة الرهبان بالفلاحين والسكان في محيط الدير، وعن صور لم تُوثَّق إعلامياً في حينها، كاستقبالهم لجيرانهم المسلمين في أوقات المصاعب أو تنظيم لقاءات صامتة للصلاة كلٌّ بحسب تقليده الديني. في هذا الإطار، تقدَّم مسيرة تيبحيرين بوصفها جزءاً من ذاكرة جزائرية عامة شهدت سقوط عشرات الآلاف من الضحايا، مع خصوصية كون هؤلاء الرهبان أجانبَ اختاروا عدم مغادرة البلد رغم تحذيرات متكررة.
الوجه الآخر لهذه الذاكرة يتمثل في إعادة تشكيل الجماعة الرهبانية نفسها خارج الجزائر بعد المأساة، إذ استقر جزء من الرهبان في بلدة ميدلت المغربية حيث واصلوا حياة دير تحت اسم “سيدة الأطلس”، مع الحفاظ على إشارة صريحة إلى جذور التجربة في جبال الأطلس الجزائرية. هذا الامتداد الجغرافي يمنح قصة تيبحيرين بعداً مغاربياً يتجاوز الحدود السياسية، ويجعل من إرث الدير موضوع متابعة لدى باحثين في قضايا التعايش الديني وتاريخ الكنيسة في شمال أفريقيا.
من الناحية اللاهوتية، تَبرز في كل مناسبة تذكارية وصيةُ رئيس الدير الراحل كريستيان دو شارجِه، التي ترك فيها تأملاً شخصياً حول احتمال مقتله، وقد أصبحت جزءاً من النصوص المتداولة في الأوساط الكنسية حين يجري الحديث عن معنى الشهادة والعلاقة مع “الآخر” المختلف دينياً. غير أن القراءة التي تتبناها الكنيسة اليوم تميل إلى إبراز اتساع تأثير هذه النصوص خارج الدوائر المسيحية، وذلك عبر حضورها في لقاءات فكرية وأعمال سينمائية وأدبية تناولت تجربة تيبحيرين بوصفها مادة للتفكير في العلاقة بين الدين والعنف، وبين الذاكرة الفردية والتجربة الجماعية.
مع حلول الذكرى الثلاثين، يبدو أن قصة الدير انتقلت من خانة “الحدث الصادم” إلى حقل أوسع من التأمل في معنى الإقامة المشتركة وبناء الثقة بين مكوّنات دينية مختلفة داخل فضاء وطني واحد. النصوص التي تنشرها الهيئات الكنسية والإعلامية هذا العام تعيد ترتيب عناصر السرد، فتستحضر الوقائع الأساسية للخطف والقتل لكنها تربطها قبل كل شيء بثلاثة محاور: استمرارية حضور الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر، ومسار الحوار الإسلامي–المسيحي في المنطقة المغاربية، ثم البعد الكوني لقصة سبعة رهبان عاشوا وماتوا بعيداً عن بلدانهم الأصلية من دون أن ينفصلوا عن مصير المجتمع الذي عاشوا في وسطه. هكذا تُقدَّم ذكرى تيبحيرين اليوم كأحد أمثلة الذاكرة الدينية التي تسعى مؤسسات كنسية ومدنية إلى الحفاظ عليها، مع التركيز على بعدها الإنساني والعابر للحدود الزمنية والجغرافية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95628433/alfatykan-a...


