تتزايد الإشارات خلال العامين الماضيين إلى أن توسع الذكاء الاصطناعي لم يعد يتوقف عند حدود الرقائق أو النماذج أو حجم البيانات المتاحة، بل اصطدم بعنصر أكثر بدائية: القدرة على إنتاج الكهرباء ونقلها إلى مراكز البيانات. تصريحات إيلون ماسك في منتدى دافوس وغيره من الحوارات العامة اختزلت هذا التحول عندما اعتبر أن «العامل المحدِّد لنشر أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع هو الطاقة الكهربائية»، مضيفاً أن تكلفة الحوسبة تنخفض تدريجياً بينما تبقى القدرة على توليد الطاقة وتوفير المعدات الكهربائية الثقيلة هي القيد الأهم أمام التوسع القادم في هذا القطاع.
الحديث عن «صانعي محطات الطاقة» بما يشبه الإجابة المقتضبة يعكس واقعاً تقنياً وصناعياً أكثر تعقيداً؛ إذ تشير تقديرات شركات استشارات الطاقة والمنظمات الدولية إلى أن الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات يرتفع بسرعة تفوق قدرة البنية التحتية على مواكبته، خاصة مع موجة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية التي تتطلب قدرات حوسبة كثيفة على مدار الساعة. وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يقترب استهلاك مراكز البيانات من مستوى يعادل الاستهلاك السنوي لبلد صناعي بحجم اليابان بحلول نهاية العقد، مع مساهمة الذكاء الاصطناعي في جزء متزايد من هذا الطلب، فيما تشي تحليلات أخرى بأن استهلاك الذكاء الاصطناعي وحده قد يضاعف استهلاك مراكز البيانات تقريباً في أفق 2030 مقارنة بعام 2022. هذه المؤشرات تضع ملف الطاقة في قلب سباق الذكاء الاصطناعي، وتحوّل قدرة الشركات على تأمين الكهرباء إلى عنصر حاسم في المنافسة.
وراء هذا التحول يكمن تباين صارخ بين زمن البرمجيات وزمن البنى التحتية؛ فالنماذج المتقدمة يمكن تدريبها في غضون أسابيع على عتاد متوفر في السوق، في حين أن إنشاء محطة كهرباء جديدة أو توسعة شبكة نقل عالية الجهد يتطلب سنوات من الدراسات والترخيص والتمويل والتنفيذ. شركات تطوير البنى التحتية تشير إلى أن بناء مركز بيانات ضخم قد يستغرق ما بين عام ونصف وعامين، بينما قد يمتد زمن مشاريع تقوية الشبكة والتجهيزات المرتبطة بها إلى خمس أو عشر سنوات، تتخللها مسارات ترخيص بيئي معقدة ونزاعات محلية حول استخدام الأراضي أو مسارات الخطوط الجديدة. هذا الفارق الزمني يخلق فجوة بنيوية: صناعة التقنية تتحرك وفق منطق دورات سريعة، بينما تستجيب صناعة الطاقة لمنطق استثماري طويل الأمد يرتبط بعمر أصول يتجاوز عدة عقود.
عقبة أخرى تبرز في تفاصيل سلاسل التوريد، حيث تشير تقارير حكومية أميركية وتحليلات شركات متخصصة إلى أن فترات الانتظار لاقتناء المحولات الكهربائية الضخمة ومعدات المحطات الفرعية تتراوح حالياً بين ثمانين وأكثر من مئتي أسبوع، أي ما يعادل في الحد الأقصى قرابة أربع سنوات. هذه المعدات التي تمثل العمود الفقري لأي مشروع لتوسعة الشبكة لا يمكن تصنيعها بسرعة، نظراً لطبيعتها الرأسمالية المكثفة، وكون الصناعة مركّزة في عدد محدود من الشركات القادرة على إنتاج أحجام كبيرة بمواصفات عالية. الصورة لا تختلف كثيراً في سوق التوربينات الغازية، حيث تدفع الطفرة في مشاريع الطاقة والطلب المتزايد من مشغلي مراكز البيانات إلى قوائم انتظار تمتد لعدة أعوام، في وقت يتنافس فيه قطاع الذكاء الاصطناعي مع قطاعات أخرى على نفس الموارد من الفولاذ والنحاس والخرسانة والكوادر الهندسية.
هذا الواقع يفسّر لماذا لا تمضي خطط بناء محطات خاصة ملاصقة لمراكز البيانات بالسرعة المتخيلة نظرياً، رغم إعلان بعض الشركات عن مشاريع لمجمعات حوسبة تعتمد على قدرات توليد خاصة بحجم مفاعل نووي متوسط، كما في مشروع مركز بيانات بقدرة تقارب الجيجاواط تعمل عليه شركة xAI في الولايات المتحدة. حتى في الدول التي شهدت توسعاً سريعاً في البنية التحتية مثل الصين، حيث تسجّل بيانات رسمية نمواً قوياً في إنتاج الكهرباء والاستثمار في الشبكات، يظل نقل هذه القدرة إلى مواقع محددة قادراً على استيعاب مراكز بيانات فائقة الاستهلاك تحدياً تقنياً وتنظيمياً يتطلب تنسيقاً على مستوى التخطيط الوطني للطاقة. في المقابل، تعاني أسواق متقدمة أخرى من شبكة قديمة وتخطيط لم يُصمَّم لتحمل أحمال متقلبة وعالية الكثافة كالتي تفرضها مزارع الخوادم العاملة في أنظمة الذكاء الاصطناعي على مدار اليوم.
في مواجهة هذه التحولات، تتجه بعض الحكومات وشركات التقنية الكبرى إلى مراجعة سياسات التخطيط للطاقة والتراخيص؛ فشهادات لمسؤولين تنفيذيين من شركات مثل مايكروسوفت ومشغلي مراكز بيانات أمام لجان تشريعية في الولايات المتحدة ركزت على الحاجة إلى كهرباء وفيرة وبأسعار مستقرة، مع الدعوة إلى تسريع مسارات الترخيص، خصوصاً ما يتعلق بربط المشاريع بالشبكة الفدرالية. يشير مسؤولو هذه الشركات إلى أن تراخيص محلية وإقليمية يمكن إنجازها في أقل من عام، بينما تستغرق تراخيص فدرالية معينة، مثل تلك المتعلقة بالأراضي الرطبة أو خطوط النقل العابرة للولايات، ما بين عام ونصف وعامين، وهو زمن يُعد طويلاً في منطق خطط التوسع في الذكاء الاصطناعي. في أوروبا، دفعت أزمة الطاقة وارتفاع الطلب في عقد مضى ببعض المدن إلى تجميد ربط مراكز بيانات جديدة بالشبكة إلى حين تأمين قدرة كافية، كما حدث في دبلن وغيرها من المراكز المالية التي تشهد كثافة في مشاريع الحوسبة السحابية.
الإسقاط الأكثر وضوحاً لهذه التحولات يتجسد في موازين القوى داخل صناعة الذكاء الاصطناعي ذاتها؛ فالشركات القادرة على حجز قدرات توليد ونقل كهرباء كبيرة، سواء عبر شراكات طويلة الأمد مع شركات المرافق العامة أو عبر الاستثمار المباشر في مشاريع توليد خاصة، ستتمتع بأفضلية في تشغيل النماذج على نطاق واسع مقارنة بمنافسين يعتمدون على شبكة مكتظة أو تراخيص مؤجلة. ومع دخول مصادر جديدة مثل المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة أو المجمعات الشمسية الضخمة مع أنظمة تخزين متقدمة إلى دائرة النقاش، تتجه بعض شركات التقنية إلى استكشاف نماذج تكامل عمودي تجعل إدارة الطاقة جزءاً عضوياً من استراتيجية الذكاء الاصطناعي، لا مجرد خدمة مساندة. بهذا المعنى، تتحول المنافسة من سباق خوارزميات خالص إلى اختبار لقدرة الفاعلين على بناء عالم مادي قادر على استيعاب الطفرة الرقمية، في وقت تتقلص فيه الهوة بين ساحات الهندسة البرمجية والهندسة الصناعية.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96538114/-ai-power-...