أعلن فريق بحثي من جامعات أميركية بارزة عن تطوير شريحة دماغية متناهية الصغر يمكنها إنشاء رابط لاسلكي عالي السعة بين القشرة المخية والحواسيب الخارجية، في خطوة علمية جديدة ضمن مجال واجهات الدماغ–الحاسوب وتطبيقاتها الطبية والعلاجية. هذه الشريحة، المعروفة باسم “منظومة الواجهة البيولوجية مع القشرة” (Biological Interface System to Cortex – BISC)، تقدَّم في صورة رقاقة سيليكون واحدة فائقة الرقة توضع فوق سطح الدماغ مباشرة بين القشرة والجمجمة من دون الحاجة إلى مكوّنات صلبة كبيرة الحجم داخل النسيج العصبي.
تستند المنظومة الجديدة إلى شريحة مصنّعة بتقنية الدوائر المتكاملة (CMOS) جرى ترقيقها إلى سماكة تبلغ نحو 50 ميكرومتراً، مع حجم إجمالي يقدّر بحوالي 3 مليمترات مكعّبة، بما يتيح لها الانحناء تبعاً لتضاريس سطح الدماغ والتموضع عليه كما لو كانت قطعة رقيقة من نسيج مرن. تضم الرقاقة 65,536 قطباً كهربائياً، مع 1,024 قناة لتسجيل الإشارات العصبية و16,384 قناة مخصَّصة للتحفيز، وهو توزيع يسمح برصد النشاط العصبي بدقة مكانية عالية ومعالجة نطاق واسع من الإشارات في آن واحد. يجري تأمين التغذية الكهربائية ونقل البيانات عبر محطة وسيطة قابلة للارتداء تستخدم رابطاً راديوياً واسع النطاق، قادراً على تحقيق سرعة اتصال تصل إلى 100 ميغابت في الثانية، أي أسرع بنحو مئة مرة من معظم الأنظمة اللاسلكية المتاحة حالياً في مجال واجهات الدماغ.
المنظومة لا تقتصر على الهاردوير فحسب، إذ تحتوي الشريحة على مجموعة من الدوائر الرقمية لإدارة الطاقة والتحكم والاتصال، إضافة إلى محولات البيانات والمكوّنات التناظرية اللازمة لكلٍّ من التسجيل العصبي والتحفيز الكهربائي. وتعمل المحطة الخارجية كوحدة جسر تعتمد بروتوكول “واي فاي” 802.11 لتربط أي حاسوب أو منظومة حوسبة بالشريحة المزروعة، بما يخلق طبقة اتصال يمكن توظيفها في التطبيقات الطبية أو البحثية المتقدمة. ويشير الباحثون إلى أن النظام يتضمّن مجموعة تعليمات وبرمجيات متكاملة تجعله أقرب إلى منصّة حوسبة متخصّصة بالواجهات العصبية، قادرة على استقبال الإشارات العصبية، معالجتها، ثم إرسال تعليمات تحفيز موجهة نحو مناطق محددة من القشرة الدماغية.
السرعة الفائقة لنقل البيانات تتيح معالجة الإشارات الدماغية في الزمن الحقيقي تقريباً، عبر خوارزميات تعلّم عميق وتقنيات متقدّمة في معالجة الإشارات، من أجل استقراء النوايا الحركية أو حالات الإدراك والحالة العصبية العامة لدى الشخص المزروع لديه هذا النظام. ويؤكد الفريق البحثي أن هذا المستوى من الدقة والزمنية المرتفعة يمكن أن يمهّد لاستخدامات علاجية واسعة، من بينها تعزيز السيطرة على نوبات الصرع عبر رصد العلامات المبكرة للنشاط غير الطبيعي ثم التدخل بالتحفيز الموجّه لإيقاف النوبة قبل تطوّرها إكلينيكياً. كما يمكن للمنظومة، وفق العرض المنشور في دورية “نيتشر إلكترونيكس”، أن تدعم استعادة قدرات حركية وكلامية أو بصرية لدى المصابين بإصابات في الحبل الشوكي أو السكتات الدماغية أو الأمراض التنكسية مثل التصلّب الجانبي الضموري (ALS)، وذلك عن طريق ترجمة نشاط القشرة إلى أوامر حركية أو أنماط تحفيز تعوض الوظيفة المفقودة.
يتميّز تصميم BISC بكونه أحادي الشريحة، بخلاف كثير من الأنظمة التي تعتمد وحدات متعددة أو مصفوفات أقطاب منفصلة متصلة بأسلاك ومكوّنات إضافية داخل الجمجمة. هذا النهج يقلل الحجم الإجمالي للجهاز إلى أقل من جزء واحد من الألف من حجم بعض الزرعات المتاحة، ما قد يقلص المخاطر الجراحية ويحدّ من التداخل مع البنية التشريحية للدماغ. ويقدّم الباحثون النظام بوصفه واجهة “قراءة وكتابة”، أي إنه قادر على التقاط الإشارات العصبية وتحليلها، وفي الوقت نفسه إرسال أنماط تحفيز كهربائي مصمّمة خوارزمياً، بما يفتح الباب أمام تطوير أطراف عصبية ذكية وأجهزة تعويضية متكيّفة مع حالة كل مريض.
يرى الفريق أن الجمع بين التسجيل عالي الدقة والاتصال اللاسلكي بكفاءة مرتفعة يفتح آفاقاً لتكامل أعمق بين الدماغ وأنظمة الذكاء الاصطناعي، بما يسمح للبرمجيات المتقدمة بتحليل الأنماط العصبية المعقدة وإعادة ترجمتها إلى أوامر أو تجارب حسية اصطناعية. كما يساهم هذا التصميم في الحد من الحاجة إلى كابلات عابرة للجلد أو أجهزة خارجية ضخمة، وهو ما ظل لفترة طويلة من أبرز العقبات أمام تعميم واجهات الدماغ–الحاسوب على نطاق سريري واسع. ويشير الباحثون إلى أن هذه المنظومة لا تزال في مرحلة البحث والتطوير، وأن انتقالها إلى الاستخدام الطبي الروتيني يتطلّب مراحل إضافية من التجارب السريرية، وضبط معايير السلامة الحيوية، ووضع أطر تنظيمية وأخلاقية للتعامل مع البيانات العصبية الحساسة.
وفق المعطيات المنشورة، شاركت في تطوير النظام فرق من جامعة كولومبيا، ومستشفى NewYork-Presbyterian، وجامعة ستانفورد، وجامعة بنسلفانيا، في تعاون يجمع بين خبرات في الهندسة الكهربائية وعلوم الأعصاب والطب السريري. ويعرض الباحثون نتائج عملهم ضمن دراسة مفصّلة تتناول بنية الشريحة ومحطة الترحيل والبروتوكولات اللاسلكية المستخدمة، إلى جانب القياسات الأولية لأداء المنظومة من حيث الاستقرار، وجودة الإشارة، ومعدلات الخطأ في الاتصال، مع الإشارة إلى أن الخطوة التالية ستتضمن توسعة نطاق التجارب الحيوانية وصولاً إلى دراسات سريرية على مرضى يعانون اضطرابات عصبية مستعصية. ويرجّح أن تشهد الأعوام المقبلة زيادة في عدد المشاريع التي تستند إلى هذا النوع من الرقائق المرنة عالية الكثافة، سواء لأغراض علاجية أو بحثية، في ظل التقدّم المتسارع في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والطب العصبي التداخلي.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...