تعد قضية العدل الإلهي وحرية الإرادة البشرية أحد المحاور الجوهرية التي شكلت الفكر الكلامي (اللاهوتي) في الإسلام، حيث تمحور النقاش حول كيفية التوفيق بين صفة "العدل" الإلهي وبين "المشيئة" المطلقة والقدر.
ويمكن تفصيل هذه الإشكالية من خلال المدرستين الكبريين في التاريخ الإسلامي:
رؤية المعتزلة: لاهوت الحرية ومبدأ "الأصلح"
اعتبر المعتزلة أن العدل هو الركن الثاني من أصولهم الخمسة، وانطلقوا من مبدأ أن "الحسن والقبح" صفتان ذاتيتان يدركهما العقل، وليسا مجرد اصطلاح شرعي.
حرية الإرادة: رأى المعتزلة أن الإنسان يجب أن يكون حراً ومستقلاً في أفعاله؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان عقاب الله للعاصين ظلماً وتوابه للمطيعين عبثاً. مبدأ "الأصلح" (al-aslah): ذهبوا إلى أن الله عادل بالضرورة، وبما أنه عادل وصبور، فهو ملزم بمقتضى حكمته أن يفعل لعباده ما هو "أصلح" لهم دائماً. تفسير القرآن: فسروا الآيات التي تشير إلى أن الله "يضل من يشاء" (مثل إبراهيم: 4) على أن "الهداية" تعني تبيان الطريق الصحيح، و"الإضلال" يعني الحكم على الشخص بأنه ضال بناءً على اختياره، وليس إجباره على الضلال. الإنسان والكمال: يرى مفكرو المعتزلة أن نقص الإنسان وعدم وجود "وظيفة محددة" له (بخلاف الملائكة أو الأجرام السماوية التي تسبح الله بانتظام) هو سر تفوقه؛ لأن هذا النقص هو ما يمنحه حرية الاختيار بين الطاعة والمعصية.رؤية الأشاعرة وأهل السنة: السيادة الإلهية المطلقة
رفض الأشاعرة تقييد الإرادة الإلهية بمعايير العدل البشرية، معتبرين أن الله هو الخالق الوحيد لكل شيء، بما في ذلك أفعال العباد.
المشيئة المطلقة: يرى هذا الاتجاه أن الله "يفعل ما يريد" ولا يسأل عما يفعل، وأن مفهوم "العدل" هو كل ما يفعله الله؛ فبما أنه المالك المطلق للكون، فلا يمكن وصف أفعاله بالظلم. نقد مبدأ "الأصلح" (قصة الإخوة الثلاثة): انشق الإمام الأشعري عن أستاذه المعتزلي الجبائي بسبب فشل الأخير في تفسير قصة افتراضية لثلاثة إخوة: أحدهم مات طائعاً (دخل الجنة)، والثاني عاصياً (دخل النار)، والثالث طفلاً (لا ثواب ولا عقاب). تساءل الأشعري: لماذا لم يحيِ الله الطفل ليكبر ويطيع فيدخل الجنة؟ وإذا كان الجواب أن الله علم أنه سيعصي فأماته طفلاً "أصلح له"، فلماذا لم يمت الأخ العاصي طفلاً أيضاً ليكون "أصلح له"؟ العدل المشروط بالشرع: يرى الأشاعرة أن الصدق ليس "حسناً لذاته" والكذب ليس "قبيحاً لذاته"، بل هما كذلك لأن الله أخبرنا بذلك؛ فلو قلب الله الأحكام، لصار الكذب حسناً والصدق قبيحاً.الأثر في الفقه والقانون الإسلامي
تشير المصادر إلى أن هذه الجدالات النظرية وجدت طريقاً للتطبيق في أصول الفقه؛ فبينما ركز الأشاعرة على "النص"، سمح المعتزلة وبعض المذاهب (كالحنفية والمالكية) للعقل بالتدخل من خلال مبادئ مثل "الاستحسان" أو "المصلحة" (maslaha)، وهو ما يُعتبر أحياناً "انتقاماً متأخراً" للمعتزلة في المجال القانوني. في العصر الحديث، حاول مصلحون مثل محمد عبده ومحمد إقبال إحياء فكرة حرية الإرادة لتشجيع المسلمين على العمل والتغيير، معتبرين أن "الجبر" أو القدرية كانت سبباً في تراجع الحضارة الإسلامية.باختصار، يمثل هذا النقاش الصراع التاريخي المستمر في الفكر الإسلامي بين مركزية العقل والحرية (المعتزلة) وبين مركزية الوحي والقدر (الأشاعرة).
هذه القضية جزء من إطار أوسع تعرضه مقالة علم الكلام الإسلامي: أبرز القضايا اللاهوتية الكبرى، التي تتناول أيضاً خلافات المعتزلة والأشاعرة حول خلق القرآن وصفات الله ورؤيته في الآخرة.
وللتفصيل الكامل في كيفية انتقال هذه الجدالات إلى الفقه والقانون، يمكن مراجعة مقال علم الكلام والفقه الإسلامي: من التجريد اللاهوتي إلى القانون.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97723789/aladl-alila...