الصوفية المغربية وإحياء السيرة في ندوة علمية بمولاي بوعزة


Rédigé le الاثنين 11 ماي 2026 à 13:44 | Lu 0 commentaire(s)



استضافت بلدة مولاي بوعزة بإقليم خنيفرة ندوة علمية خُصصت لبحث إسهام التراث الصوفي المغربي في خدمة السيرة النبوية، بمشاركة ثلة من الباحثين في العلوم الشرعية والإنسانية، إلى جانب فاعلين في الحقل الديني والثقافي. وشكّل اللقاء مناسبة لإعادة قراءة الموروث الروحي المحلي، المكتوب والشفهي، بوصفه خزاناً من النصوص والأعمال التي صاغت تمثلات المغاربة لشخصية النبي محمد وسيرته عبر القرون. وجاء تنظيم الندوة في سياق اهتمام متزايد بمسألة تمثيل السيرة في الثقافة الإسلامية المعاصرة، وما يرتبط بها من رهانات تربوية وهوياتية داخل المجتمعات المسلمة.



انطلقت أشغال اللقاء العلمي من فكرة اعتبار السيرة النبوية مرجعاً مركزياً في البناء القيمي لدى المسلمين، مع التركيز على الطريقة التي أسهمت بها الزوايا والسلاسل الصوفية المغربية في نقل هذه السيرة وتكييفها مع الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمغرب. وتوقف المتدخلون عند الدور الذي لعبته حلقات الذكر والإنشاد والمدائح في ترسيخ صور معينة عن شخصية النبي في الذاكرة الشعبية، عبر قصائد من قبيل البردة والهمزية وغيرها من النصوص التي لقيت انتشاراً واسعاً في أوساط المتصوفة. كما أثيرت مسألة التحول من التلقي الشفهي داخل الزوايا إلى التدوين في كتب ومجاميع ومخطوطات، ما سمح بانتقال التجربة الروحية من الحيز المحلي الضيق إلى فضاءات تداول أوسع داخل المغرب وخارجه.

وأولى الباحثون اهتماماً خاصاً لطبيعة العلاقة بين المرجعية السنية في العقيدة والفقه وبين الممارسات الصوفية التي تشكلت حول تعظيم السيرة والاحتفاء بالمولد وبمناسبات دينية مختلفة. فقد تم التذكير بأن التصوف المغربي استند تاريخياً إلى مدارس مالكية وأشعرية، مع حضور مؤثر لأعلام مثل الجنيد والغزالي في البناء النظري للتجربة الصوفية، وهو ما انعكس على طريقة استحضار شخصية النبي في الخطاب الروحي. وجرى عرض نماذج من كتابات صوفية مغربية تناولت خصال النبي وأخلاقه، ضمن مقاربات تجمع بين التفسير والحديث والأدب، مع حضور واضح لبعد تربوي يهدف إلى تحويل السيرة إلى نموذج سلوكي في الحياة اليومية.

تناول عدد من المشاركين قضية الأبعاد التعليمية للسيرة كما تقدمها الزوايا، حيث يتم تقديم النبي نموذجاً للرفق والرحمة وضبط النفس، مع ربط هذه القيم بالتحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، خصوصاً ما يرتبط بخطاب العنف والتطرف. وأشار متدخلون إلى أن استثمار التراث الصوفي في تقديم صورة متوازنة عن الإسلام يقوم على إبراز عناصر المحبة والسكينة والبحث عن السمو الأخلاقي، وهي عناصر حاضرة بقوة في الأذكار والأوراد والابتهالات المنتشرة في الزوايا المغربية. وتوقف النقاش عند الحاجة إلى تطوير مناهج تعليمية تستلهم هذا الرصيد الروحي، دون الاكتفاء بالبُعد الاحتفالي المرتبط بالمناسبات الدينية.

كما تطرقت الندوة إلى سؤال المنهج في دراسة السيرة من خلال المصادر الصوفية، حيث لُوحظ أن عدداً من هذه النصوص يمزج بين المعطى التاريخي والرمزي، ما يفرض على الباحثين التعامل مع المادة بعين نقدية تجمع بين علوم الحديث وأدوات البحث التاريخي ومناهج العلوم الإنسانية. وتمت الإشارة إلى أن تراكم الدراسات المعاصرة حول التصوف المغربي، سواء في الجامعات الوطنية أو عبر مشاريع بحثية تشرف عليها مؤسسات مثل الرابطة المحمدية للعلماء أو دار الحديث الحسنية، يفتح المجال أمام قراءات جديدة للنصوص الصوفية المتصلة بالسيرة. وجرى التأكيد على أهمية إدماج الأرشيف المخطوط والوثائق المحلية في هذا الجهد، بما يساعد على استعادة مسارات تشكل الذاكرة الدينية للمجتمع المغربي.

وشهد اللقاء عرض تجارب ميدانية من زوايا ومراكز دينية تعمل على تنزيل السيرة في برامج موجهة للشباب والنساء والطلبة، عبر دروس ومحاضرات وورشات فنية تعتمد الإنشاد والشعر والرسم، في محاولة لجعل السيرة أكثر قرباً من الأجيال الجديدة. ولفت متدخلون إلى أن هذه المبادرات تتقاطع مع توجه رسمي يسعى إلى تعزيز البعد الروحي للدين في المغرب من خلال مؤسسات كـوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، مع حضور بارز لدور إمارة المؤمنين في تنظيم الحقل الديني. كما تم التوقف عند علاقات التعاون العلمي مع بلدان إفريقية تستقبل طلبة وأئمة يتلقون تكويناً في قضايا السيرة والتصوف داخل معاهد مغربية متخصصة.

خلص المشاركون إلى ضرورة توسيع البحث في التداخل بين السيرة والتصوف في التجربة المغربية، عبر مشاريع علمية جماعية تجمع بين المختصين في الشريعة والتاريخ والأنثروبولوجيا واللسانيات. وطُرحت أفكار عملية لإحداث منصات رقمية تُجمع فيها النصوص الصوفية المتعلقة بالسيرة، مع إتاحتها للباحثين والمهتمين في صيغ محققة ومشروحة تراعي معايير التحقيق العلمي. كما برزت دعوات إلى تشجيع مبادرات الترجمة إلى اللغات الأجنبية، بما يتيح التعريف بقراءة مغربية للسيرة النبوية تقوم على مرجعية سنية وصوفية متجذرة في التاريخ المحلي، وتحاول في الوقت ذاته التفاعل مع الأسئلة المطروحة في العالم المعاصر حول صورة الإسلام ورسالة النبي.




المصدر : https://www.aktab.ma/nashra/i/96501257/soufisme-ma...


: في نفس القسم