بعد ستة أشهر من الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يرسم النقاش الوارد في برنامج «شؤون خارجية» على إذاعة فرنسا الثقافية صورة صراع ممتد لم يحقق أهدافه المعلنة، وأدخل منطقة الخليج والاقتصاد العالمي في مرحلة من عدم اليقين. فالتفاهم الذي أُعلن في يونيو لم يصمد طويلا، فيما تجددت الضربات الأميركية والردود الإيرانية التي استهدفت قواعد أميركية في عدد من دول المنطقة، بالتوازي مع ضربات وقائية نفذتها طهران.
وبحسب المعطيات التي ناقشها البرنامج، بقيت حركة الملاحة في مضيق هرمز أقل من مستوياتها السابقة ومحفوفة بالمخاطر، في حين عادت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع. ولم تقتصر آثار الاضطراب على سوق الطاقة، إذ نبه المشاركون إلى أن تعطيل التجارة في الخليج قد ينعكس أيضا على إمدادات الأسمدة المتجهة إلى بلدان في إفريقيا وآسيا، بما يحمله ذلك من آثار مؤجلة على الإنتاج الزراعي.
وأشار برونو تيرتري، المدير المساعد لمؤسسة البحوث الاستراتيجية، إلى أن الحرب استمرت أطول بكثير مما كانت تتوقعه واشنطن، وأن حصيلتها تضم خاسرين أكثر من الرابحين. فالولايات المتحدة أظهرت تفوقا عسكريا واسعاً، لكن ذلك لم يترجم إلى تسوية سياسية أو إلى تحقيق الأهداف المعلنة، فيما تعرضت إيران لأضرار عسكرية من دون أن ينهار نظامها، بل اتجه إلى مزيد من التشدد. كما تضررت نماذج التنمية في دول الخليج، وبقي السكان الإيرانيون في مقدمة المتأثرين بالكلفة الاقتصادية والاجتماعية للنزاع.
وتفيد المناقشة بأن احتمال احتلال أراضٍ إيرانية لا يبدو مطروحاً، لكن غياب تسوية دائمة يجعل المشهد أقرب إلى استنزاف يتخلله تجدد متقطع للمواجهات. ويرتبط إمكان التوصل إلى ترتيب مؤقت بتقدير واشنطن وطهران لمصلحتهما في خفض مستوى الصدام، في وقت لا تتوافر فيه مؤشرات واضحة على اتفاق سياسي شامل.
من جهته، عرض كليمان تيرم، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، رؤية مفادها أن أولوية الجمهورية الإسلامية تتمثل في البقاء، حتى لو انعكس ذلك على الاقتصاد الإيراني والسكان وعلاقات إيران بجيرانها. ولفت إلى أن الضربات الإيرانية على دول مجاورة، ومنها أهداف في الإمارات العربية المتحدة، حملت مخاطر سياسية واقتصادية على طهران نفسها، لأنها قد تدفع دول المنطقة إلى تنسيق أوسع ضدها وتضعف قنوات تجارية ومالية كانت ذات أهمية للاقتصاد الإيراني.
وفي هذا السياق، يتراجع تصدير النفط الإيراني بشدة، فيما قدرت الحلقة أن حركة التصدير والتجارة عبر المضيق لم تعد إلا إلى نحو 40 في المئة من مستويات ما قبل الحرب. وتعتمد إيران على مسارات بديلة عبر بحر قزوين وأفغانستان وباكستان، غير أن الحصار البحري والقيود المفروضة على التجارة يرفعان كلفة السلع ويزيدان الضغوط على القوة الشرائية للأسر. ويرى تيرم أن نقل كلفة المواجهة إلى الداخل قد يفتح المجال أمام احتجاجات جديدة إذا استمر التدهور الاقتصادي.
اقتصادياً، سجلت أسعار النفط ارتفاعاً من مستوى كان يقارب 70 دولاراً للبرميل قبل اندلاع الحرب، لكن النقاش شدد على أن الزيادة لم تبلغ في معظم الوقت مستويات الصدمات النفطية التاريخية. غير أن سوق الغاز الأوروبية تواجه وضعاً أكثر صعوبة، إذ ارتفعت الأسعار بنحو مرتين ونصف منذ بداية القتال، وسط مخاوف مرتبطة بانخفاض الاحتياطيات قبيل موسم الخريف والشتاء.
وأدى ارتفاع كلفة الطاقة إلى ضغط إضافي على النمو وعلى دخول الأسر، لكنه تزامن مع موجة استثمارات واسعة في الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في الولايات المتحدة. ووفق التحليل الاقتصادي المطروح، خففت هذه الاستثمارات جزئياً أثر الحرب في النمو، لكنها عززت الضغوط التضخمية، خصوصاً في سوق المكونات الإلكترونية. كما يثير استمرار التضخم مخاوف من ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة خدمة الديون الأميركية والعالمية.
وعلى الصعيد العسكري، استهلك النزاع كميات كبيرة من الصواريخ وأنظمة الاعتراض، بما تجاوز تقديرات المخططين الأميركيين. وقد يؤثر ذلك في قدرة واشنطن على دعم حلفائها في آسيا وأوروبا، إذ إن تعويض بعض المخزونات قد يتطلب سنوات لا أشهراً. وفي المقابل، تبدو الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية أولوية إيرانية أكثر إلحاحاً من السلاح النووي، لارتباطها المباشر بالقدرة على تهديد المنشآت النفطية والقواعد الأميركية وخطوط الملاحة.
وتبقى العقوبات الثانوية إحدى أدوات الضغط الأميركية، لكن فعاليتها ترتبط بمدى استعداد الصين وتركيا والإمارات والعراق وروسيا للتجاوب معها. ويحذر النقاش من أن استهداف مؤسسات مالية صينية كبرى قد يهدد الاستقرار المالي الدولي، فيما تمتلك إيران خبرة طويلة في الالتفاف على القيود. لذلك، يظل الصراع محكوماً بتوازن هش بين ضغط اقتصادي متزايد، وقدرة إيرانية على التكيف، ومخاطر أوسع تطال أمن الخليج والأسواق العالمية.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97947337/a...