يتناول ملف علمي نشرته مجلة «أوتر-مير: مجلة التاريخ الاستعماري والإمبراطوري» مفهوم «الصحروية»، الذي صاغه الباحث برني سيب لوصف الانجذاب الثقافي الفرنسي إلى الصحراء الكبرى، بوصفه ظاهرة تشكلت تاريخيا عند تقاطع التوسع الاستعماري وإنتاج المعرفة والتمثيلات الأدبية والبصرية والإدارية. ويحمل الملف عنوان «كتابة الصحراء: في منابع الصحروية»، وقد أعده والتر برويير-أوستيلز وبرني سيب، بهدف تتبع الأصول الوثائقية والثقافية لهذا التصور ومراجعة الكيفية التي كُتبت بها الصحراء وتناقلتها المخيلات الغربية.
ينطلق الباحثان من مقارنة بين الاهتمام الواسع الذي حظيت به «المصرية» في الدراسات الثقافية، وبين محدودية الاشتغال النظري على ما يقابلها في الفضاء الصحراوي. ويشير الملف إلى أن مصطلح «الصحروية» ظهر سنة 2013 بصيغته الإنجليزية، قبل أن يُعرّف لاحقا باعتباره شغفا بالصحراء الكبرى وبمكانتها مصدرا رئيسيا للإلهام داخل المجتمع الفرنسي. غير أن الدراسة تشدد على أن هذا المسار لم يكن معطى ثابتا، بل ارتبط على نحو وثيق بتمدد السيطرة الفرنسية على مساحات صحراوية واسعة.
وتطرح المقدمة سؤالين متلازمين: كيف يمكن كتابة الصحراء، وكيف تُبنى رواية تاريخها؟ وتتعامل مع هذين السؤالين من منظور متعدد الاختصاصات يجمع مؤرخين وأمناء أرشيف وباحثين في الأدب الفرنكوفوني والأنغلوساكسوني. ويتيح هذا التقاطع فحص المصادر التي ساهمت في صنع صور الصحراء، من وثائق أدبية وصحافية وصور فوتوغرافية وأفلام ووثائق إدارية وتجارية، مع الانتباه إلى شروط إنتاجها واستخداماتها اللاحقة.
ويضع الملف التحولات التي شهدتها الدراسات الصحراوية في سياق أوسع. فالبحوث الحديثة لم تعد تتعامل مع الصحراء باعتبارها فضاء فارغا أو هامشيا، بل بوصفها مجالا للحركة والتبادل التجاري والثقافي والسياسي. كما أبرزت دراسات متخصصة قدرة المجتمعات الصحراوية على التنقل، واستمرار الشبكات العابرة للصحراء، وتعقيد عمليات رسم الحدود وفرضها. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية استعادة أصوات السكان المحليين والتاريخ الشفهي، بعدما ظلت هذه المصادر مهملة لفترات طويلة لصالح الوثائق التي أنتجتها الإدارة الاستعمارية أو الفاعلون الأوروبيون.
ويقترح القسم الأول من الملف قراءة قريبة من الأرشيفات الاستعمارية لفهم الآليات التي أسهمت في ترسيخ «الصحروية». ويستعرض صورا التقطها أوروبيون في الصحراء بين 1892 و1957، مع تحليل خلفيات المصورين وظروف الإنتاج، سواء خلال جولات إدارية أو بعثات علمية أو في سياقات أخرى. ويبرز هذا المنظور ما رافق تكوين تلك الصور من علاقات غير متكافئة، وأحيانا من عنف، قبل أن تتحول إلى وسائط أعادت تشكيل تمثل المجال الصحراوي.
كما يتناول الملف الأفلام القصيرة التي أُنتجت في الجزائر بين 1922 و1960، ويرى أنها حملت خطابا مؤسساتيا يكيّف فكرة الرسالة الحضارية الاستعمارية مع البيئة الصحراوية. وركزت هذه الإنتاجات على صورة الإنسان الذي يواجه الصحراء ويخضعها بالتقنية والمعرفة. وفي مسار مواز، يعالج الملف أرشيف المنظمة المشتركة للأقاليم الصحراوية خلال الفترة الممتدة من 1957 إلى 1963، بما يكشف رهانات الدولة الفرنسية في الصحراء خلال مرحلة إنهاء الاستعمار وحرب الجزائر.
ويخصص القسم الثاني للتمثلات المكتوبة، بما في ذلك نصوص تتصل بصورة الطوارق، وسرديات استعمارية عن شخصيات محلية قاومت المشاريع الإمبراطورية، ثم إعادة تشكيل هذه الشخصيات في الذاكرة الفرنسية المتأخرة. وتبين الدراسات أن هذه الصور لم تكن ثابتة، بل تغيرت تبعا للمصالح السياسية والسياقات الاستعمارية. كما يبحث الملف في دور البطاقات البريدية المنتجة على نطاق واسع في نشر صور نمطية عن الصحراء، وفي صلاتها بالخيال الاستشراقي وبتمجيد الوحدات العسكرية الصحراوية.
ويصل الملف إلى الموروث العسكري المعاصر، عبر دراسة أثر الخبرة الاستعمارية في تمثلات الجيش الفرنسي للفضاء الصحراوي، ولا سيما في ضوء شهادات ضباط شاركوا في عملية «سيرفال» في مالي سنة 2013. ويخلص معدا الملف إلى أن كتابة الصحراء لم تكن مجرد نشاط أدبي أو توثيقي، بل عملية ثقافية وسياسية متواصلة، أسهمت في بناء تصورات متنوعة ومتنازع عليها عن المنطقة وسكانها.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/98...










