يقدّم فريديريك غراسيه، السفير الفرنسي السابق لدى المغرب، في شهادة نشرتها مجلة «أوتر-مير»، قراءة لمسار قضية الصحراء انطلاقاً من خبرته الدبلوماسية في مدريد ووزارة الخارجية الفرنسية ثم الرباط. ويضع النزاع في سياق يسبق الانسحاب الإسباني سنة 1975، معتبراً أن فهم تطوراته يستدعي استحضار تداخل الإرث الاستعماري والحسابات الإقليمية والمبادرات الأممية التي لم تفضِ إلى تسوية سياسية نهائية.
يقسّم غراسيه علاقته المهنية بالملف إلى ثلاث مراحل. بدأت الأولى بين 1976 و1980 حين عمل في السفارة الفرنسية بمدريد، وتابع من هناك تداعيات اتفاقات 14 نوفمبر 1975 بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا بشأن إدارة الأقاليم الصحراوية. ويذكر أن الدبلوماسية الإسبانية نظرت إلى تلك المرحلة بوصفها نتيجة فرضتها هشاشة الوضع الداخلي في أواخر حكم فرانكو، وما رافقها من قلق إسباني بشأن سبتة ومليلية والعلاقة مع الرباط. ويرى أن هذا السياق ترك أثراً ممتداً في السياسة الإسبانية اللاحقة تجاه النزاع، قبل التحول الذي ارتبط بسياسة حكومة بيدرو سانشيز.
تمتد المرحلة الثانية، وفق الشهادة، من 1983 إلى 1986، حين تولى غراسيه مسؤولية شمال إفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية. وقد اتسمت تلك الفترة باستمرار المواجهة المسلحة بين جبهة البوليساريو والقوات المسلحة الملكية، وببناء الجدار الدفاعي المغربي الذي اكتمل سنة 1987، وببقاء العلاقات الجزائرية المغربية رهينة انعدام الثقة رغم استئناف التمثيل الدبلوماسي بين البلدين سنة 1988. ويعرض غراسيه ما يسميه نهج «التوازن الديناميكي» في السياسة الفرنسية، وهو نهج يقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجزائر والمغرب، من دون ادعاء قدرة فرنسية على فرض حلول في دولتين مستقلتين.
ويستعيد الدبلوماسي الفرنسي تدخل بلاده في موريتانيا على مرحلتين. ارتبطت الأولى بعملية «إيكوفيون» سنة 1958، التي نُفذت بالتعاون مع إسبانيا ضد عناصر جيش التحرير في المجال الصحراوي. أما الثانية فهي عملية «لامانتان» بين 1977 و1979، حيث دعمت فرنسا موريتانيا بعد هجمات البوليساريو على نواكشوط وزويرات ونواذيبو. ويربط غراسيه هذه التطورات بالتحول الذي عرفته موريتانيا عقب انقلاب 1978، ثم توقيعها اتفاق سلام مع البوليساريو في الجزائر سنة 1979 وتخليها عن منطقة تيرس الغربية، قبل أن يبسط المغرب سيطرته العسكرية عليها.
في المرحلة الثالثة، التي عايشها غراسيه سفيراً في الرباط مطلع الألفية، برزت جهود المبعوث الأممي جيمس بيكر. فقد ارتبطت هذه المرحلة بمحاولات إعادة تفعيل مسار الاستفتاء الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، وبعمل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو). غير أن الخلافات حول الهيئة الناخبة وفترة الانتقال وإدراج خيار الاستقلال ضمن الاستفتاء حالت دون إنجاز العملية. ويشير النص إلى رفض البوليساريو والجزائر لخطة بيكر الأولى، ثم رفض المغرب للخطة الثانية سنة 2003، قبل أن يستقيل بيكر في العام التالي.
ويؤكد غراسيه أن فرنسا كانت ترى في تلك الفترة أن أي تسوية لا يمكن أن تنفصل عن تحسن العلاقات بين الجزائر والمغرب، باعتبارهما الطرفين الأهم في توازن المنطقة. كما يعرض النص التحولات اللاحقة في مواقف عدد من شركاء المغرب الأوروبيين، ولا سيما إسبانيا وألمانيا وبريطانيا، إلى جانب الرسالة الفرنسية الموجهة إلى الملك محمد السادس في يوليو 2024، التي يربطها الكاتب بتغيير في موقع باريس داخل معادلة النزاع.
ويخلص المقال إلى أن الملف لا يزال معلقاً بين منطق الأمم المتحدة، بوصفها الإطار القانوني والسياسي للتسوية، ومسارات إقليمية ودولية جديدة ترتبط بالتحالفات والتحولات الجيوسياسية. كما يدعو إلى وضع قضية الصحراء ضمن نقاش أوسع حول مستقبل المجال الصحراوي، يشمل توزيع الموارد ومسارات الطاقة والحدود الموروثة عن الاستعمار وتحولات أنماط العيش والتنقل في المنطقة.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
الصحراء المغربية: بيرو تعلن دعمها الكامل لسيادة المغرب ومبادرة الحكم الذاتي زنيبر: قضية الصحراء لم تعد على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان تعذيب وتجنيد للأطفال: منظمات غير حكومية تتهم «البوليساريو» أمام الأمم المتحدةالمصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/98...