الصحافة والحقيقة في خطاب الكنيسة الكاثوليكية المعاصر


الاثنين 21 شتنبر 2026 à 13:23 |



يعرض الصحافي الفرنسي هيرفي بروزيني، رئيس جائزة ألبير لوندر ورئيس لجنة النزاهة والاستقلال والتعددية في فرنسا ميديا موند، مساراً تاريخياً لعلاقة الكنيسة الكاثوليكية بوسائل الإعلام والعمل الصحافي. وينطلق الحوار من مواقف منسوبة إلى البابا ليون الرابع عشر في منشوره «ماغنيفيكا هيومانيتاس»، حيث يربط بين الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى التحقق من الوقائع، والدور الاجتماعي للصحافة.



ويرى بروزيني أن أهمية هذا الخطاب لا تكمن في تبني الكنيسة مهنة الصحافة بوصفها نشاطاً دينياً، بل في تأكيدها الحاجة إلى صحافة ذات جودة تستند إلى الحضور الميداني والتحقيق والشرح. ووفق قراءته، يعيد هذا المنظور الاعتبار إلى السرد الصحافي الذي يقوم على جمع الوقائع وتفسيرها، في مرحلة تتعرض فيها الحقيقة الواقعية لضغوط متزايدة بفعل سرعة تداول المحتوى، وهيمنة التعليق، وتوسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.


ويستعيد بروزيني تاريخاً طويلاً اتسم في بدايته بالحذر الكنسي من الطباعة وحرية التعبير. فمع انتشار المطبعة بعد غوتنبرغ، رأت الكنيسة في انتقال النصوص إلى اللغات الدارجة وإمكان تعدد التأويلات تهديداً لقدرتها على ضبط الخطاب الديني. وفي القرن الثامن عشر، ذهبت مواقف بابوية إلى وصف انتشار الكتب وحرية الصحافة بعبارات شديدة القسوة، انطلاقاً من الخشية من تراجع تأثير الرسالة الكاثوليكية وازدياد الاستقلال الفكري عن المرجعية الدينية.


غير أن هذا الموقف بدأ يتغير تدريجياً في أواخر القرن التاسع عشر، حين برز اتجاه يدعو إلى الاستفادة من الوسائط الحديثة بدلاً من الاكتفاء برفضها. وفي هذا السياق، تأسست صحيفة «أوسرفاتوري رومانو» عام 1861، ثم انطلقت إذاعة الفاتيكان عام 1931. ويشير بروزيني إلى أن الإذاعة حظيت بقبول خاص لأنها أتاحت بث الرسالة من روما إلى جمهور واسع مع احتفاظ المؤسسة الكنسية بقدر كبير من السيطرة على الكلمة المرسلة.


ومع التلفزيون، اتسعت المسألة لتشمل الصورة والواقع المشاهد. ويعتبر بروزيني أن هذا التحول ساهم في انتقال تدريجي من حصر الحقيقة في البعد العقائدي إلى الاعتراف بأهمية حقيقة الوقائع. ومن خلال هذا المسار، أصبحت الكنيسة تتحدث أكثر عن مسؤولية وسائل الإعلام، وعن ضرورة الإخبار والتكوين وتنوير الرأي العام، وهي أفكار ارتبطت بتطور خطابها في عهدي بيوس الثاني عشر ويوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس.


في قراءته لعبارة «البحث المشترك عن حقيقة الوقائع»، يربط بروزيني كلمة «المشترك» بتعدد زوايا النظر إلى الحدث وبكيفية تلقي الجمهور للمعلومة. فهو لا يعد ذلك دعوة إلى صناعة حقيقة جماعية، بل تأكيداً على أن التحقيق في الواقع يقتضي مواجهة الروايات والمصادر والخبرات، ثم تقديم مادة صحافية مفهومة وقريبة من حياة الناس. ويضع هذا التصور في صلة مع متطلبات النزاهة والاستقلال والقدرة على مساءلة السلطة.


ويشدد بروزيني على أن الصحافة الجادة لا تستغني عن وجود المراسلين في الميدان. فمعيار التمييز بين صحافة الوقائع وصحافة الرأي، في نظره، يمكن رصده عبر السؤال عن مكان وجود الصحافيين، وطبيعة عملهم، وقدرتهم على إجراء التحقيقات وجمع الأدلة. كما يلفت إلى وضع الصحافة المصورة، التي يرى أنها تواجه صعوبات رغم كونها مرتبطة عضوياً بالحضور المباشر في مواقع الأحداث.


ولا يعتقد أن دعم بابوي للصحافة يغير شروط عمل الصحافيين فوراً، ولا سيما في مناطق النزاع أو في البيئات التي تتسع فيها الشكوك تجاه المؤسسات الإعلامية. لكنه يعتبر أن صدور هذا الخطاب يساعد على إدخال النقاش حول الحقيقة والذكاء الاصطناعي والثقة العامة إلى دائرة أوسع، ويمنح قيمة إضافية للتربية على الإعلام والمعلومات.


ويخلص إلى أن استعادة تاريخ الصحافة وأخلاقياتها جزء من مواجهة أزمات المهنة الراهنة. فمع تسارع الرقمنة وتوسع الذكاء الاصطناعي، يدعو إلى معرفة المسارات التي صنعت قواعد التحقق والمسؤولية والاستقلال، باعتبارها عناصر ضرورية لفهم التحولات الحالية والدفاع عن وظيفة الصحافة في الحياة الديمقراطية.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98101835/alshaf-oalh...


: في نفس القسم