☰

الصحافة «مهمة مستحيلة»؟ سبعة تحديات تواجه الصحفي في 2026


الاثنين 26 أكتوبر 2026 à 12:05 |




أسرع من دون التفريط في وقت الفهم والتحقق، وأقرب إلى الجمهور من دون أن يتحول الصحفي إلى منتَج، وأكثر إنتاجاً من دون أن يساهم في إغراق العالم بالمحتوى: هكذا يبدو «دفتر التحملات» المفروض على الصحفي في 2026، كما ترسمه كاتي بريم، مديرة الابتكار والاستشراف في «فرانس تلفزيون» ورئيسة تحرير مدونة «ميتا ميديا»، في افتتاحية دفتر الاتجاهات الخامس والعشرين للمدونة، الصادر تحت عنوان «الصحافة، مهمة مستحيلة؟».

ويتوزع الدفتر على ثلاثة مجالات متداخلة: الحرب المعلوماتية، ووصول «الوكلاء» الآليين، و«ثأر الواقع» الذي تجعله وفرة المحتوى الرقمي أثمن من أي وقت مضى. ويأتي ذلك في سياق ضاقت فيه مساحة العمل الصحفي بشكل لافت؛ إذ تفيد معطيات «مراسلون بلا حدود» التي يستند إليها الدفتر بأن أقل من 1% من سكان العالم يعيشون اليوم في بلدان تُصنَّف فيها حرية الصحافة بأنها «جيدة»، مقابل 20% سنة 2002.

إثبات أن الحدث وقع فعلاً

أول التحديات يبدو بدائياً: التأكد من أن شيئاً ما حدث حقاً. فمع الضربات الإيرانية على الخليج في الربيع، تحوّل مؤثرون مقيمون في دبي من تصوير المطاعم والفنادق الفاخرة إلى تصوير الصواريخ من شرفاتهم، فاختلطت الشهادة بالدعاية والترفيه في القوالب نفسها. ووفق «تقرير الأخبار الرقمية 2026»، بات 27% من الجمهور العالمي يتابعون الأخبار أسبوعياً عبر «صنّاع محتوى إخباري».

ويزيد الذكاء الاصطناعي الصورة ضبابية: صورة مولَّدة توحي بأن إيران تخبئ أسلحة في المدارس، ثم ضربة حقيقية تدمّر مدرسة في ميناب، ثم صور مولَّدة بدورها تبثها السلطات الإيرانية لإظهار فظاعة القصف. يسبق الزيف الواقعَ، ثم يعود لتصويره. وفي مينيابوليس، كذّبت مقاطع صوّرها مارّة الروايات الرسمية بعد مقتل شخصين في سياق احتجاجات ضد شرطة الهجرة، في وقت كانت فيه الروبوتات تغذي نحو ثلث النقاشات الرقمية حول عمليات هذه الشرطة. ويخلص الدفتر إلى أن الصحافة تستعيد هنا أقدم أفعالها: إرسال أحد ليرى بعينه.

التفكير مع الآلة دون تسليمها مفاتيح التفكير

يستعرض الدفتر تجارب ناجحة، مثل أداة «فاكت جيني» لدى وكالة رويترز التي تستخرج الوقائع من البلاغات قبل عرضها على الصحفيين، ويستخدمها نحو 150 صحفياً، مع إمكان إرسال بعض التنبيهات بسرعة مضاعفة. لكنه يحذر من خطر أعمق: في ثلاث تجارب شملت 1372 مشاركاً ونحو 10 آلاف محاولة، لاحظ باحثون في كلية «وارتون» أن الذكاء الاصطناعي يرفع الأداء كثيراً عندما يصيب، ثم يجرّ مستخدميه إلى الخطأ عندما يخطئ، بل قد يزيد ثقتهم في حكمهم. ويسمي الباحثون هذه الظاهرة «الاستسلام المعرفي»، ويقترحون إعادة إدخال «احتكاك استراتيجي»، كأن يُطلب من المستخدم إبداء رأيه قبل الاطلاع على جواب الآلة.

ويكتسي هذا السؤال حدة خاصة لدى الصحفيين الشباب، لأن المهام التي يلتهمها الذكاء الاصطناعي أولاً، من التفريغ والرصد إلى البحث الوثائقي، هي نفسها التي يتعلم فيها المرء تمييز المصدر المهتز والتفصيل النشاز، وهي قضية تطرح أيضاً على المستوى المحلي مع استخدام الصحفيين المغاربة للذكاء الاصطناعي دون تأطير.

القرب من الجمهور دون تحويل الصحفي إلى سلعة

يرى الدفتر أن الثقة لا تغادر الصحافة بالضرورة، بل تغيّر عنوانها: فلدى من تقل أعمارهم عن 25 سنة، يقول 51% إنهم يثقون في شخصية أو مؤثر أكثر من ثقتهم في علامة إعلامية مؤسساتية، وهو ما يتقاطع مع تراجع الثقة في الصحافة عموماً. ويستشهد بحالة ديف يورغنسون، الوجه السابق لصحيفة «واشنطن بوست» على تيك توك، الذي يؤكد أن جمهوره بات يثق فيه أكثر بعد مغادرته الصحيفة. غير أن هذا «الاقتصاد الإبداعي» هشّ بدوره: ففي فرنسا يكسب 85% من صنّاع المحتوى أقل من الحد الأدنى للأجور.

الصيغ القصيرة ووفرة المحتوى الآلي

وتشير معطيات الدفتر إلى أن «الدراما المصغّرة»، أي المسلسلات ذات الحلقات القصيرة جداً، باتت تمثل قرابة 10% من وقت البث العالمي، مقابل أقل من 1% مطلع 2024، فيما أطلقت مجلة «ذي إيكونوميست» لأول مرة منذ 183 سنة اشتراكاً يتمحور حول الصوت والفيديو والألعاب. ويرى الكاتب أن الرهان ليس مقاومة الصيغ القصيرة، بل معرفة ما يرفض الصحفي اختصاره.

أما وفرة الإنتاج الآلي فتخلق لاتماثلاً جذرياً: اختلاق تصريح يتطلب ثوانيَ، بينما إثبات أنه لم يُقل قد يستلزم العودة إلى مقابلة أو أرشيف أو شاهد. ولذلك حوّلت صحيفة «في جي» النرويجية هذا الفارق إلى مؤشر، تسأل فيه: هل خرج الصحفي من مكتبه؟ هل كان في عين المكان؟ هل حصل على معلومة غير منشورة؟

البقاء إنساناً والعمل جماعياً

ويتوقف الدفتر عند انتشار «الرفقاء الاصطناعيين» لدى المراهقين الأمريكيين، إذ استخدمهم 72% منهم، ويفضّل 33% اللجوء إليهم بدل إنسان في بعض المحادثات المهمة. كما يذكّر بأن «السحابة» صار لها عنوان بريدي: فنحو ثلثي مشاريع مراكز البيانات المعلنة أو قيد الإنجاز منذ 2022 تقع في مناطق تعاني إجهاداً مائياً.

وفي المقابل، يبرز «التعاون الجذري» الذي تدعو إليه الصحفية الفلبينية ماريا ريسا، ومبادرات مثل «فوربيدن ستوريز» التي ابتكرت «صندوق أمان» يودع فيه الصحفي المهدَّد معلوماته كي يواصل غيره تحقيقه إن غاب، تجسيداً لعبارة مؤسسها لوران ريشار: قد تقتلون الرسول، لكنكم لن تقتلوا الرسالة. غير أن هذا العمل الدؤوب له كلفة، ويطرح الدفتر سؤالاً حاداً: من يستطيع اليوم أن يعمل بهذه الطريقة، إذا كانت تحقيقات تمتد أشهراً تُكافأ ببضعة آلاف من اليوروهات، في مهنة تكاد تتحول إلى هواية لمن يملكون ترف ممارستها؟

ويختم الدفتر بأن جوهر المهنة يبقى، رغم تبدّل الواجهات، في أفعال قديمة: الذهاب للرؤية، والإصغاء، والشك، والتحقق، والربط، والسرد، والتصحيح، والنقل.

📌 اقرأ أيضاً في «الخبر»

الذكاء الاصطناعي في الصحافة المغربية بين الاستخدام الفردي وغياب التأطير حرية الصحافة بين الإفلات من العقاب والضغوط السياسية تراجع الثقة في الصحافة: لماذا يتسع الشرخ بين الجمهور والإعلام؟



المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98480654/journalism...


: في نفس القسم