نشأت منظومة الحكم في السعودية على توازن بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية الوهابية، حيث أُوكل إلى رجال الدين لسنوات دور واسع في ضبط الحياة الاجتماعية. خلال العقد الأخير تغيّر هذا الميزان بوضوح مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان، إذ تقلص حضور المؤسسة الدينية في المجال العام لصالح مسار تحديث اجتماعي واقتصادي مرتبط برؤية 2030.
وصل الناس إلى مهرجان إم دي إل بيست ساوندستورم الموسيقي في بنبان، إحدى ضواحي الرياض بالمملكة العربية السعودية، في 11 ديسمبر 2025. فايز نور الدين / وكالة فرانس برس
في مركز تجاري بحي البطحاء في الرياض، تعزف فرقة صغيرة تضم عازفَين ومغنية داخل مطعم آسيوي. مشهد اعتيادي اليوم، لكنه كان قبل سنوات قليلة غير ممكن في الفضاء العام. عاملون فلبينيون يقولون إن العزف في المطاعم كان محظوراً، وإن العمل الفني العلني كان محفوفاً بالمخاطر في ظل نفوذ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي مثّلت الذراع التنفيذية للرقابة الاجتماعية.
الإصلاحات الاجتماعية اتخذت طابعاً عملياً يهدف إلى تنشيط الاستهلاك المحلي وجذب الاستثمار، أكثر من كونها خطاباً تحررياً. أُنشئت هيئة عامة للترفيه عام 2016 لإعادة تشكيل أنماط الترفيه والفراغ، ووُضعت أهداف لزيادة إنفاق الأسر على الأنشطة الترفيهية. رغم أن الأرقام لم تبلغ المستهدف وبقيت بين 3 و4 بالمئة، إلا أن التغيير كان ملموساً: تقلّصت صلاحيات الشرطة الدينية على نحو مفاجئ، وفتحت دور السينما أبوابها بعد عقود، وصار بإمكان المتاجر العمل خلال أوقات الصلاة في أيام الأسبوع، كما حصلت النساء على حق القيادة والسفر من دون موافقة ولي أمر، وتوسعت مساحات الاختلاط المنظم في الأماكن العامة.
هذه التحولات لم تقتصر على الأنظمة، بل مست تفاصيل الحياة اليومية. من شعر الرجال ولباس النساء إلى مواعيد الصلاة والتسوق، كانت معايير صارمة قابلة للإنفاذ الفوري. اليوم، يتذكر كثيرون رهبة الدوريات الدينية في الحدائق والمراكز التجارية وفحصها لوضع الأزواج أو القرابة. انحسار هذا الحضور خفف منسوب التوتر في الفضاء العام، لكنه فتح في المقابل سجالاً صامتاً لدى التيار المحافظ الذي يفضّل عدم التعبير العلني خشية التعرض للمساءلة.
المؤسسة الدينية نفسها باتت أكثر حذراً في التعليق على التغيرات الاجتماعية. أسماء بارزة عُرفت بتشددها في قضايا مثل التصوير والموسيقى والاختلاط خففت من نبرة المواجهة. تعيين الشيخ صالح الفوزان مفتياً عاماً في أكتوبر 2025 جاء إشارة لطمأنة القاعدة المحافظة مع إبقاء الهرم الديني قائماً، بالتوازي مع فصل أوضح بين الحقل الديني والحقل الاجتماعي. الفكرة الحاكمة تبدو بسيطة: يدير المتدينون شؤونهم ضمن الإطار الشرعي، فيما يتقدم المشروع الاقتصادي والثقافي وفق أولوياته.
رغم ذلك، تبقى السعودية مجتمعاً شاباً ومتديناً في آن واحد. ما نسبته 69.4 في المئة من السكان دون الخامسة والثلاثين، وشبكات التواصل فتحت نافذة واسعة على العالم، ما جعل قبول الترفيه وصناعة الفعاليات أسرع بين فئات من الشباب، ومثار تحفظ لدى آخرين. بعض الأئمة الشباب يعبّر عن رفضه للحفلات وأعياد الهالووين وعودة السينما، لكنه يفرق بين ما يعدّه محرماً يمكن الاستغفار عنه وبين محظورات يعتبر تجاوزها خطاً أحمر. الإعلان الأخير عن نقاط مخصصة لبيع المشروبات الروحية للدبلوماسيين وحاملي الإقامة المميزة أضاف طبقة جديدة من الجدل حول حدود الانفتاح.
تحولات المشهد لا تعني اختفاء التدين أو تضاؤل أثره الاجتماعي، بل انتقاله من سلطة رقابية مباشرة إلى تأثير قيمي أقل صخباً. في مدن كبرى مثل الرياض وجدة، يصبح حضور الترفيه والفعاليات الثقافية جزءاً من إيقاع الحياة، بينما تبقى مدن أخرى أكثر محافظة. داخل العائلة الواحدة قد يتعايش موقفان: تطلع إلى فرص جديدة وقلق من تبدل المعايير. هذا التعايش الهش يظهر في قصص يومية عن فنانين سعوديين يقدمون عروضاً خارج البلاد، أو أسر تنتظر مبادرة قريبة لتقرر إن كانت ستسمح لبناتها بالقيادة أو العمل في قطاعات الترفيه.
من منظور اقتصاد سياسي، تقاطع تراجع نفوذ هيئة الأمر بالمعروف مع استراتيجية أوسع لإعادة توجيه المجتمع نحو الاستهلاك المحلي والسياحة الداخلية واستقطاب الزوار. دخول السياح لأول مرة بأزياء مغايرة للمعهود كان اختباراً لقدرة المجتمع على استيعاب الاختلاف، فيما راهنت الدولة على أن بنية تنظيمية جديدة—من التراخيص إلى إدارة الفعاليات—كفيلة بضبط الإيقاع من دون الحاجة إلى أدوات قسرية قديمة.
يبقى السؤال مفتوحاً حول المدى الذي ستبلغه هذه العملية. الحفاظ على البنية الدينية الرسمية مع تحييدها عن التنظيم الاجتماعي يمنح السلطة مرونة في التقدم على مسار التحديث مع مراعاة الحساسيات المحافظة. في المقابل، يراهن الشباب والقطاعات الاقتصادية الجديدة على أن اتساع هامش الترفيه والثقافة سيستمر كجزء من الهوية الوطنية الصاعدة المرتبطة برؤية 2030. بين هذين المسارين، تتشكل يوميات سعودية أقل صرامة مما كانت عليه، وأكثر براغماتية في قراءة الدين والمجتمع والدولة.
نُسج هذا العرض بالاستناد إلى معطيات وتقارير ميدانية بينها تقرير صحيفة لا كروا الفرنسية حول انحسار نفوذ المؤسسة الدينية في السعودية، ويمكن الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: تقرير لا كروا عن التحولات الدينية والاجتماعية في السعودية.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93628391/alsaaody-...


