تبحث دراسة منشورة في العدد 257 لعام 2026 من مجلة «ريزو» الفرنسية أثر التحول الرقمي في تجارب الهجرة، معتبرة أن الهواتف الذكية ومنصات التواصل والخدمات الإدارية الإلكترونية لم تعد مجرد وسائل اتصال، بل أصبحت عناصر مؤثرة في الروابط العائلية والانتماءات الجماعية وفرص الوصول إلى الحقوق. وتقدم لورا أوداسو وسرّة شعيب، في مقدمة ملف موضوعي بعنوان «الرقمنة في الهجرة: الروابط العاطفية والانتماءات»، قراءة تجمع بين دراسات الهجرة وسوسيولوجيا الأسرة والتحولات الرقمية والسياسات العامة.
وتنطلق الدراسة من التمييز بين الانتماء بوصفه علاقة وجدانية وشخصية أو جماعية، وسياسات الانتماء باعتبارها الآليات التي تعتمدها الدول لتحديد من يدخل ضمن الجماعة الوطنية ومن يبقى خارجها. وترى الباحثتان أن الأدوات الرقمية تكشف التوتر القائم بين هذين المستويين، لأنها تسمح للمهاجرين بالحفاظ على صلاتهم بالمكان الذي أتوا منه وبناء حضور في بلد الإقامة، فيما تتزامن مع إجراءات إدارية وأمنية قد تعيد إنتاج الإقصاء وعدم المساواة.
وتبين الدراسة أن الشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية ترافق المهاجرين قبل الرحلة وأثناءها وبعد الاستقرار. فهي تتيح الوصول إلى المعلومات وتوسيع شبكات المساندة، بما في ذلك علاقات جديدة مع أشخاص لم تكن تربطهم بالمهاجر صلات وثيقة سابقة. ومن خلال منصات مثل فيسبوك وتطبيقات الاتصال المرئي والمنتديات، يمكن تبادل الخبرات العملية المرتبطة بالسفر والإقامة والإجراءات الإدارية، كما يمكن الحصول على موارد تساعد في اتخاذ قرار الهجرة أو التعامل مع مراحلها المختلفة.
لكن هذا الدور لا ينفصل عن توسع الرقمنة في مراقبة الحدود. فالدراسة تشير إلى أن الحدود الذكية وأنظمة البيانات والبيانات البيومترية والذكاء الاصطناعي تُستخدم في فرز المسافرين وإدارة تنقلهم. وبينما تسهّل هذه البنى حركة بعض حاملي الوثائق المميزة، فإنها تضاعف القيود المفروضة على آخرين، ولا سيما طالبي اللجوء والمهاجرين الموجودين في أوضاع إدارية هشة. كما تبرز أهمية الهاتف الذكي في سياقات اللجوء، إذ قد يتحول ما يحويه من بيانات إلى مادة للفحص ضمن إجراءات إدارية وأمنية.
وفي المجال العائلي، تساعد الوسائط الرقمية الأسر الموزعة بين بلدان عدة على استمرار التواصل وتبادل الرعاية والدعم، بما في ذلك تحويل الأموال وإرسال الوثائق ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية عبر المكالمات المرئية. غير أن الدراسة تحذر من اعتبار الاتصال الرقمي بديلا عن الحضور الفعلي. فاختيار وقت الاتصال ومضمونه وما يُكشف أو يُحجب منه يظل خاضعا لحسابات دقيقة، كما أن الاتصال المستمر قد يجعل الالتزامات العائلية والضغوط الأخلاقية والتفاوت بين أفراد الأسرة أكثر وضوحا.
وتتوقف الدراسة عند أثر رقمنة الإدارة في فرنسا، حيث أصبحت إجراءات الإقامة والجنسية والحقوق الاجتماعية تعتمد بصورة متزايدة على المنصات الإلكترونية. وتوضح أن هذا المسار يمكن أن يفاقم صعوبات الفئات التي تعاني ضعف المهارات الرقمية أو القراءة والكتابة، خصوصا المهاجرين المتقدمين في السن. وفي حالات مرتبطة بطلبات إعانات التقاعد والتضامن، يؤدي تعقيد المنصات وتعدد الوثائق المطلوبة إلى الاعتماد على وسطاء وجمعيات وشبكات مساعدة، وقد ينتهي الأمر ببعض المعنيين إلى عدم المطالبة بحقوقهم.
كما يعرض الملف حالات متباينة تشمل متقاعدين من غرب أفريقيا، ويهودا ناطقين بالروسية في فرنسا، وشبابا من مجتمعات شيشانية وإنغوشية في أوروبا، ومهاجرين يعملون في منصات التوصيل، وشبابا إيزيديين يبحثون عن فرص للهجرة. وتخلص الدراسة إلى أن أثر الرقمنة لا يتحدد بالأداة وحدها، بل يرتبط بالعمر والوضع القانوني والطبقة والنوع الاجتماعي والموارد المتاحة، وأن فهم الهجرة المعاصرة يقتضي النظر إلى التقاطع بين الحياة الخاصة والتحكم الإداري والسياسات التي ترسم حدود الانتماء.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
أزمة سبتة: ماذا كشفت أزمة الهجرة الأخيرة عن العلاقات المغربية الإسبانية؟ عودة القاصرين الجزائريين من إيبيزا تكشف اتساع الهجرة نحو إسبانيا الهجرة الإفريقية إلى المغرب بين أرقام جديدة وتحديات الاندماجالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98252589/a...