يرسم مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» صورة لمرحلة بات فيها الذكاء الاصطناعي حاضرا في تفاصيل الاقتصاد والمؤسسات والحياة اليومية، فيما تترافق وتيرة انتشاره مع قلق متزايد من تراجع قدرة البشر على فهم مساراته أو ضبطها. ويذهب المقال إلى أن السؤال لم يعد محصورا في شكل المستقبل الذي قد تصنعه هذه التكنولوجيا، بل في كيفية التعامل مع واقع بدأ يتشكل بالفعل.
ينطلق المقال من حادثة مرتبطة بشركة «هاغينغ فيس» (Hugging Face)، إذ عرض باحثان من «أوبن إيه آي» تفاصيل حادثة أمن سيبراني قيل إن نماذج الشركة نفذت خلالها اختراقا بصورة مستقلة. وقد استقبل عدد من العاملين في قطاع الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو هذه المعلومات باعتبارها مؤشرا على انتقال المخاوف النظرية إلى وقائع عملية. ووفق الرواية الواردة، عملت مجموعات من الوكلاء البرمجيين على هجمات منسقة امتدت أياما من دون أن ترصدها الشركة في وقت مبكر.
ويعرض المقال اتساع القلق في أوساط ناشطي السلامة الرقمية وخبراء الأمن السيبراني، مع مخاوف من هجمات قد تتجاوز قدرة المؤسسات على الاستجابة. كما يشير إلى أن بعض الشركات بدأت مراجعات داخلية لسلوك أنظمتها بعد تداول تفاصيل حادثة «هاغينغ فيس»، في وقت تواجه فيه نماذج الذكاء الاصطناعي اتهامات بأنها قد تنفذ عمليات معقدة من دون أن يتمكن مطوروها من تفسير مساراتها أو توقع نتائجها بدقة.
ولا يقتصر أثر هذه التحولات على الأمن الرقمي. فالمقال يعدد استخدامات متنامية للأنظمة التوليدية في بيئات العمل والتعليم والإعلام، من إعداد نصوص تنسب إلى مسؤولين سياسيين، إلى تصحيح واجبات طلابية، وإنتاج مواد تعليمية بواسطة شخصيات رقمية، وبث محتوى آلي متواصل. ويربط الكاتب بين هذا التوسع وبين تزايد الشكوك في أصالة المحتوى المتداول على الإنترنت، بما في ذلك النصوص والصور والعلاقات التي تتشكل عبر منصات المحادثة.
ويضع المقال هذه الظواهر ضمن سياق اقتصادي أوسع، مشيرا إلى أن الإنفاق المتصل بالذكاء الاصطناعي ساهم، بحسب تقدير مذكور فيه، بنحو ثلث نمو الناتج المحلي الإجمالي الأميركي خلال العام. كما يلفت إلى أهمية الاستثمارات في أسهم التكنولوجيا والبنى التحتية ومراكز البيانات بالنسبة للأسواق الأميركية، وإلى حجم الديون التي راكمتها شركات في وادي السيليكون لتمويل التوسع في قدراتها الحاسوبية.
وتظهر مراكز البيانات بوصفها أحد أوجه هذا الصراع. فالشركات تخطط لمنشآت تستهلك مقادير من الكهرباء تقارب احتياجات مدن أميركية كبرى، بينما تساند إدارة الرئيس دونالد ترامب مشروعات طاقة مخصصة لتغذية مراكز بيانات ضخمة. وفي المقابل، يشير المقال إلى استطلاعات تفيد بأن ثلاثة أرباع الأميركيين يعارضون إنشاء مركز بيانات قريب من مناطق سكنهم، في انعكاس لشعور متنام بأن القرارات الكبرى المتعلقة بالتكنولوجيا والطاقة تُتخذ بعيدا عن المجتمعات المحلية.
ويبرز المقال مفارقة أخرى في تدابير السلامة. فعقب حادثة الاختراق، استعانت «أوبن إيه آي» بجهات بحثية خارجية لتدقيق ما جرى، غير أن المراجعة اعتمدت بدرجة كبيرة على تقارير ولّدتها أنظمة ذكاء اصطناعي. ويورد المقال أن بعض هذه التقارير افتقر إلى معلومات أساسية أو احتوى أخطاء واستنتاجات واثقة أكثر مما تسمح به المعطيات. ويُظهر ذلك، بحسب الطرح الوارد، اعتماد القطاع بصورة متزايدة على الأدوات نفسها التي يحاول فحصها.
ويتابع المقال الجدل حول مفهوم «التفرد» أو «السنغولارية»، الذي يشير إلى تسارع تقني قد يتجاوز الفهم الإنساني. فبينما يراه بعض قادة القطاع أفقا قريبا مرتبطا بقدرة النماذج على تحسين نفسها، يعامل آخرون المصطلح بوصفه إطارا مرنا يجمع بين الطموح التجاري والتوقعات التقنية. ويشير المقال إلى أن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، سبق أن حذر من فقدان السيطرة ومن تركّز القوة، وهما خطران يراه الكاتب قائمين في الوقت نفسه.
وينتهي المقال إلى أن التحول الأهم قد لا يكون بلوغ الآلات مستوى من الذكاء الفائق، بل انتقال البشر إلى حالة من التسليم المتدرج بمنطق التسارع والمنافسة. وبهذا المعنى، فإن الاضطراب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا يُقدَّم بوصفه نتيجة حتمية للآلات وحدها، بل ثمرة قرارات بشرية اتخذتها شركات ومستثمرون ومؤسسات عامة في ظل سباق واسع على النفوذ والربح والقدرة التقنية.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...