الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح الصحة في المغرب


Rédigé le الاثنين 20 أبريل 2026 à 13:32 | Lu 0 commentaire(s)



يشهد النظام الصحي في المغرب تحولات متسارعة مع تبني الدولة لتوجه استراتيجي يمنح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي مكانة متقدمة ضمن أفق 2030، في تقاطع مع مشاريع أوسع مثل رؤية "المغرب الرقمي 2030" التي تراهن على تحديث الخدمات العمومية وتعزيز الابتكار في القطاعات الحيوية وعلى رأسها الصحة، وتواكب في الوقت نفسه مسار إصلاح المنظومة الصحية وإعادة هيكلتها على المدى المتوسط. ويتقاطع هذا التوجه مع دعوات متكررة من منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية إلى استثمار الإمكانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتحسين إتاحة الرعاية الطبية في البلدان ذات الموارد المحدودة، شريطة إحاطتها بأطر أخلاقية وقانونية دقيقة.



تتجسد ملامح هذا التحول بشكل أوضح داخل بعض المراكز الاستشفائية الجامعية الكبرى في الدار البيضاء والرباط، حيث بدأت نظم تحليل الصور الطبية المعتمدة على الخوارزميات في دعم عمل فرق الأشعة من خلال قراءة أوّلية سريعة للصور واستباق رصد الشذوذات على مستوى الرئتين أو العظام، بما يتيح للطبيب الاختصاصي إعادة توجيه جهده نحو الحالات الأكثر تعقيداً وتقليص زمن الانتظار داخل أقسام مكتظة. وفي السيناريو العملي الذي يرد كثيراً في أدبيات الصحة الرقمية، يمكن لصورة شعاعية للصدر أن تخضع في ثوان قليلة لفرز آلي أولي يلفت انتباه الطبيب إلى احتمال وجود التهاب رئوي أو كتلة ورمية، مع بقاء القرار النهائي متمركزاً بالكامل في يد الممارس البشري.

كما يتوسع مجال الطب عن بعد ليصبح أحد أهم مجالات الاستخدام المحتملة للذكاء الاصطناعي في بلد ما زالت فيه الفوارق الجغرافية في الولوج إلى الرعاية قائمة بين الحواضر الكبرى والمناطق الجبلية أو النائية، وهو ما تؤكده تقارير وطنية ودولية تذكر صعوبة استقطاب الأطر الطبية إلى عدد من الأقاليم البعيدة عن المحاور الحضرية. ويمكن لتطبيقات مزودة بخوارزميات تحليل أوّلي أن تساعد مريضة مزمنة في منطقة ريفية على مشاركة نتائج تحاليلها الحيوية في الزمن شبه الحقيقي والحصول على تقييم أوّلي آلي قبل توجيهها عند الحاجة إلى مختص في مركز مرجعي، بما يحد من التنقلات الطويلة والمكلفة.

ولا يقتصر حضور الذكاء الاصطناعي على الفعل الطبي المباشر، إذ تعد إدارة المستشفيات مجالاً آخر تتقاطع فيه هذه التقنيات مع ضرورات ترشيد الموارد، حيث تشير دراسات صادرة عن هيئات دولية إلى إمكانية أتمتة جزء معتبر من المهام الإدارية واللوجستية داخل المؤسسات الصحية، ما ينعكس على كفاءة تدبير المواعيد، وبرمجة غرف العمليات، وتوقع الضغط على أقسام المستعجلات تبعاً لعوامل موسمية ووبائية ومناخية. ويمكن لهذه الأدوات أن تدعم أيضاً تدبير المخزون الدوائي وتوزيع الموارد البشرية بكيفية أكثر مرونة، في انسجام مع توجهات وطنية تدعو إلى تحسين مردودية الإنفاق العمومي في قطاعي الصحة والتعليم في أفق 2030.

غير أن هذا المسار الطموح يطرح في المقابل أسئلة تنظيمية وأخلاقية لم تحسم بالكامل بعد، وفي مقدمتها مسألة حماية المعطيات الصحية التي تكتسي حساسية خاصة، في وقت يتوفر فيه المغرب على إطار عام لحماية البيانات الشخصية لا يغطي بعد، في تفاصيله التطبيقية، جميع حالات استعمال السجلات الطبية في تدريب الخوارزميات أو إسناد خدمات التحليل لشركات تكنولوجية أجنبية. ويرتبط بذلك نقاش قانوني حول شروط الولوج إلى قواعد البيانات الصحية، وكيفية إخفاء الهوية بشكل فعّال، وإمكان نقل هذه البيانات خارج الحدود، وهي أسئلة يقر عدد من التقارير المتخصصة بأنها ما زالت تحتاج إلى تقنين أكثر تحديداً في السياق المغربي.

وتبرز مسألة العدالة في التوزيع باعتبارها تحدياً أساسياً أمام أي انتشار سريع للذكاء الاصطناعي في الصحة، إذ تشير تحليلات صادرة عن منظمة الصحة العالمية ومؤسسات بحثية أوروبية إلى أن الفجوات الرقمية والبنيوية بين الأقاليم يمكن أن تؤدي إلى تكثيف اللاتكافؤ في الاستفادة من الخدمات الصحية الرقمية إذا لم تُرفق بسياسات تعميم للبنية التحتية والتجهيزات. ففي حين يمكن لطبيب قلب في مدينة كبرى أن يستفيد من قراءة فورية لتخطيط القلب عبر أدوات ذكية، قد يبقى طبيب عام في منطقة قروية محدداً بوسائل تشخيص تقليدية إن لم ترافق مشاريع الذكاء الاصطناعي استثمارات موازية في الربط بالشبكات والتكوين والتجهيز.

ثم تأتي الإشكاليات المرتبطة بالمسؤولية الطبية لتضيف طبقة أخرى من التعقيد القانوني، حيث تطرح التجارب الدولية تساؤلات حول موقع الخطأ عندما يفشل نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي في رصد مؤشرات مرض خطير في مرحلة مبكرة، بين الطبيب الذي صادق على القرار السريري النهائي، والمرفق الذي تبنى التكنولوجيا، والشركة التي طورت الخوارزمية. وتُظهر النقاشات الجارية في فضاءات تنظيمية مثل الاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد تشريعاً مكرساً للذكاء الاصطناعي يصنف تطبيقات الصحة ضمن الفئات عالية المخاطر، أهمية تحديد متطلبات دقيقة في ما يخص الشفافية وقابلية التتبع وتقاسم المسؤولية بين مختلف المتدخلين.

إلى جانب ذلك، يطرح انحياز الخوارزميات قضية علمية واجتماعية حساسة، حيث تحذر دراسات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وهيئات بحثية من أن نماذج التدريب القائمة أساساً على بيانات مستمدة من سكان غربيين قد تقدم أداء أقل دقة عند تطبيقها على مجموعات سكانية بخصائص وراثية ووبائية وثقافية مغايرة. ويهم هذا التحذير، على سبيل المثال، أدوات تشخيص الأمراض الجلدية التي قد تخطئ في تقييم آفات على البشرة الداكنة، أو حاسبات المخاطر القلبية الوعائية المبنية على معايير لا تعكس بدقة أنماط التغذية ونسب الأمراض المزمنة في شمال أفريقيا، ما يفرض تطوير قواعد بيانات محلية وتعزيز البحث السريري والوبائي في المغرب.

في مواجهة هذه التحديات، تتجه التوصيات الصادرة عن مجالس استشارية وطنية ومؤسسات دولية إلى الدعوة لوضع إطار تنظيمي خاص بالذكاء الاصطناعي في الصحة يدمج بين حماية المعطيات، واعتماد معايير صارمة لمطابقة الخوارزميات للأغراض الطبية، وتعريف واضح للأدوار القانونية لكل فاعل، مع الاستئناس بتجارب تشريعية حديثة في مناطق أخرى. كما تشدد هذه المراجع على أهمية إدراج مكوّنات الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية في مناهج تكوين الأطباء ومهنيي التمريض والإدارة الصحية، حتى يصبحوا قادرين على فهم حدود النظم الذكية واستعمالها كأداة مساعدة لا بديل عن القرار السريري البشري.

ويراهن عدد من التقارير الوطنية على البحث المحلي لإنجاح هذا التحول، من خلال تشجيع الجامعات ومراكز البحث على تطوير حلول قائمة على بيانات مغربية، وتوثيق التفاوتات المجالية والمرضية، وإقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص لدعم منصات ابتكار في الذكاء الاصطناعي الطبي. غير أن هذا الرهان يظل مشروطاً بجهود متزامنة لتوسيع تغطية البنى التحتية الرقمية في المناطق الريفية وشبه الحضرية، وتحسين تجهيز المؤسسات الصحية وربطها بنظم معلومات موحدة، بما يتيح أن تتحول التطبيقات الذكية إلى رافعة لتقليص الفجوة في الولوج إلى الرعاية بدل أن تصبح عنصراً إضافياً في تكريسها.

ضمن هذا الأفق، تبدو تجربة المغرب في إدماج الذكاء الاصطناعي في الصحة مهيأة لأن تصبح مختبراً إقليمياً لاستكشاف كيفية توظيف التقنيات الصاعدة في بيئة بموارد مالية وبشرية محدودة، ولكن بطموح إصلاحي واسع النطاق، وبشبكة شراكات دولية متزايدة في مجالات التحول الرقمي والحوكمة الصحية. ويبقى المسار الذي ستسلكه هذه التجربة رهناً بقدرة الفاعلين العموميين والمهنيين والباحثين على المزاوجة بين الإغراء التقني والحذر التنظيمي، بحيث تُستخدم الخوارزميات كأدوات مساندة في خدمة المصلحة العامة لا كبديل عن الخيارات السياسية والمؤسساتية الضرورية لإعادة بناء منظومة الرعاية.

عبر The Conversation




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96152994/a...


: في نفس القسم