الذكاء الاصطناعي وأمن البرمجيات
يطرح كاتب مدونة Cryptography Engineering احتمالاً يبدو إيجابياً في ظاهره، لكنه قد يفتح نقاشاً جديداً ومعقداً حول التشفير والخصوصية الرقمية. فالتقدم السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الثغرات البرمجية ومعالجتها قد يجعل البرمجيات والأجهزة المتقدمة أقل عرضة للاختراق عن بُعد، غير أن هذا المسار قد يحرم أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات من أدوات اعتمدت عليها خلال السنوات الماضية للوصول إلى بيانات مشفرة أو أجهزة مغلقة.
ويستعيد المقال التحول الذي شهدته المراقبة الإلكترونية منذ مطلع الألفية. ففي تلك المرحلة، كانت عمليات التنصت تعتمد أساساً على المكالمات الهاتفية والهواتف المؤقتة، قبل أن تغيّر الهواتف الذكية والرسائل النصية طبيعة البيانات المتاحة للمحققين. ومع اعتماد تشفير تخزين البيانات في هواتف آيفون ثم الهواتف العاملة بنظام أندرويد، وانتشار التشفير من طرف إلى طرف في خدمات الرسائل والمكالمات، تقلصت قدرة السلطات على الوصول المباشر إلى محتويات الأجهزة والاتصالات.
في عام 2014، أطلق مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي جيمس كومي مبادرة حملت اسم «الذهاب إلى الظلام»، للدفع بنقاش وطني حول إمكان إلزام مزودي الخدمات بتوفير وسائل تتيح للسلطات قراءة الاتصالات المشفرة. ثم برز هذا السجال بوضوح عام 2016، حين طلب المكتب من شركة آبل المساعدة في فتح هاتف آيفون يخص منفذ هجوم، غير أن القضية انتهت عندما أعلنت شركة خارجية قدرتها على اختراق الجهاز من دون تعاون الشركة المصنعة.
ومنذ ذلك الوقت، خفّ الضغط السياسي المباشر لفرض منافذ استثنائية في أنظمة التشفير، لأن الأجهزة الأمنية باتت قادرة على شراء أدوات متخصصة لفك قفل الهواتف أو استغلال الثغرات عن بُعد. ويشير المقال إلى أدوات مثل GrayKey، المخصصة لفتح الهواتف، وبرمجية Pegasus التابعة لمجموعة إن إس أو، بوصفها أمثلة على سوق أدوات الاستغلال الموجه. وفي المقابل، واصلت شركات التكنولوجيا الكبرى إصلاح العيوب التي تكتشفها، من دون أن تنجح في إنهاء المنافسة المستمرة بين مطوري الحماية وباحثي الثغرات.
ويرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر هذه المعادلة. ويورد أن شركة أنثروبيك أعلنت في أبريل نموذجاً يدعى Mythos قالت إنه يتمتع بقدرات قوية في العثور على الثغرات البرمجية، وأن الحكومة الأميركية قيّدت تصديره مؤقتاً. إلا أن هذا القيد لم يحسم المسألة، بحسب المقال، لأن شركات ومختبرات أخرى، منها أوبن إيه آي ومختبرات صينية تعمل على نماذج مفتوحة الأوزان، أظهرت بدورها قدرات متقدمة في هذا المجال.
ووفق التصور المطروح، يمكن للمدافعين عن الأنظمة الرقمية أن يستخدموا هذه النماذج لمسح كميات كبيرة من الشيفرات البرمجية، واكتشاف العيوب المتراكمة وإصلاحها قبل وصول المنتج إلى المستخدمين. كما قد يعاد بناء أدوات التكامل المستمر لتضم فحصاً آلياً للثغرات في مراحل مبكرة من تطوير البرمجيات. ولا يفترض الكاتب إمكان القضاء على جميع الأخطاء، لكنه يرجح أن تتراجع خلال العامين المقبلين الثغرات القابلة للاستغلال عن بُعد في البرمجيات الكبيرة التي تتلقى صيانة منتظمة.
ويحذر المقال من أن هذا النجاح الدفاعي قد يعيد إحياء المطالب بإنشاء أبواب خلفية مقصودة أو آليات وصول استثنائي. فمع تراجع إمكانات الاختراق الموجه، قد تطلب الحكومات من شركات التقنية إعادة تصميم منتجاتها بطريقة تتيح النفاذ إلى البيانات عند الحاجة. ويرى الكاتب أن هذا الخيار قد يضعف الأنظمة التي تطلبه، ويمنح خصوماً أجانب فرصاً إضافية لاستغلال نقاط الضعف الناتجة عنه.
ولا يقدم المقال خطة عملية لمعالجة هذا الاحتمال، لكنه يدعو ضمنياً إلى الحذر من تحويل تراجع الثغرات الأمنية إلى مبرر لإضعاف التشفير. ويخلص إلى أن القرارات المقبلة في هذا المجال ستحدد ما إذا كانت مكاسب الذكاء الاصطناعي في حماية البنية الرقمية ستُصان، أم ستُقابل بإدخال نقاط ضعف متعمدة في أنظمة الاتصال والبرمجيات.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...










