«الذكاء الاصطناعي سيبيد البشرية»: من يستفيد من هذا الخطاب التهويلي؟


الاثنين 21 شتنبر 2026 à 19:24 |



أثار تحذير أطلقه الباحث البريطاني جاكوب كوكسون، الذي عمل سابقا في شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية والتقنية بعد إعلانه استقالته من «أنثروبيك» مطلع شتنبر 2026، محذرا من أن كثيرا ممن يعملون في تطوير الذكاء الاصطناعي يعتقدون فعليا أن هذه التقنية قد تقضي على البشرية جمعاء بحلول نهاية العقد الحالي. وبحسب تحليل نشرته مجلة الإعلام الفرنسية Méta-media، فإن الباحث أكد أن هذا التقييم لا يقتصر على تصريحات علنية مخففة يدلي بها كبار المسؤولين أمام الصحافة، بل يعكس مخاوف حقيقية يتداولها هؤلاء في النقاشات الخاصة.



وانضم إلى كوكسون زميله السابق في «أنثروبيك» إيفان هوبينجر، المسؤول عن أبحاث المحاذاة في الشركة، الذي قدّر احتمال أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في انقراض البشرية خلال العقد المقبل بأكثر من 10 في المائة. كما رفع قياديون في «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» الصوت مطالبين بـ«توقف مؤقت» في سباق تطوير النماذج الأكثر قوة، بدعم من إيلون ماسك، الذي يكرر منذ أكثر من عقد التحذير من خطر الانقراض، في وقت يواصل فيه تطوير شركته «إكس إيه آي» والمنافسة بقوة على صدارة هذا المجال.


غير أن أصواتا نقدية تربط هذا الخطاب التهويلي بمصالح اقتصادية مباشرة، إذ إن تقديم النماذج على أنها تهديد وجودي محتمل يعزز، على نحو متناقض، صورة قوتها: فإن كانت هذه الأنظمة قادرة على تعريض البشرية للخطر، فهي بالضرورة تملك قدرات غير عادية. ويرى الصحافي الفرنسي تيبو بريفو أن كبريات شركات التكنولوجيا تروّج لسيناريوهات نهاية العالم فيما تتلقف وسائل الإعلام هذا الخطاب دون تمحيص كاف، معتبرا أن قطاعا بحجم صناعة الذكاء الاصطناعي ونفوذها نادرا ما يحظى بهذا القدر من التساهل الإعلامي في التحقق من ادعاءاته. ويلاحظ أن حدة هذه السيناريوهات تصاعدت مع اقتراب موعد الطرح المحتمل لأسهم «أوبن إيه آي» في البورصة، وهو موعد أرجأته الشركة إلى سنة 2027 على الأقل، فيما تناقش حاليا جولة تمويل جديدة قد ترفع قيمتها السوقية إلى نحو 1500 مليار دولار.


في المقابل، تشدد فرجينيا دينيوم، عضو اللجنة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي ومديرة مختبر سياسات الذكاء الاصطناعي، على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في استيلاء الذكاء الاصطناعي على زمام الأمور، بل في تملص الشركات المطورة من أي مسؤولية عن الأضرار التي تسببها. وترى أن احتمالات الانقراض المتداولة في وسائل الإعلام مجرد آراء شخصية وليست تقديرات علمية دقيقة، وأن تصويرها على أنها شبه يقين يصرف الانتباه عن مخاطر حقيقية قائمة بالفعل في مسار تطوير هذه التقنية.


وتذهب الباحثة تيمنيت جيبرو، المتخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، في الاتجاه نفسه، معتبرة أن الخطر الوجودي الفعلي يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي لتشغيل أسلحة ذاتية وآلات قتل تُستعمل فعليا في ساحات الحرب، وفي تفاقم الكارثة المناخية بفعل البنية التحتية التي تبنيها هذه الشركات. وتصف سردية «الآلة الإله» بأنها وسيلة لإلهاء الرأي العام عن قضايا ملموسة مثل تلوث مراكز البيانات وسرقة البيانات الشخصية واستغلال اليد العاملة، وذلك تحت ذريعة أن الخطر الأكبر هو سيطرة الصين، لا الولايات المتحدة، على تقنية بهذه الجبروت.


وتتجلى الانعكاسات البيئية لهذا السباق بشكل ملموس في فرنسا، حيث تعتزم «غوغل» بناء أول مركز بيانات ضخم لها على الأراضي الفرنسية في مدينة شاتورو، على مساحة تناهز 212 هكتارا، أي ما يعادل نحو 300 ملعب لكرة القدم. واعتُبر المشروع «مفرطا في حجمه»، ما دفع رئيس بلدية المدينة وأربعة من نوابه إلى الاستقالة احتجاجا عليه. وتشير دراسة نشرت في مارس 2026 إلى أن مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي قد ترفع درجة حرارة محيطها بمعدل درجتين مئويتين في نطاق يصل إلى 7 كيلومترات.


وأمام هذا الجدل، يرى مختصون أن الأولوية يجب أن تكون لترتيب المخاطر بحسب خطورتها الفعلية: ما الأنظمة التي يمكن نشرها؟ وبأي تراخيص؟ وتحت أي رقابة؟ ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع حادث؟ ومن يراقب تصريحات الشركات نفسها؟ ويدعو لوران دوداي، المدير التنفيذي لبرنامج الذكاء الاصطناعي في المدرسة العليا للأساتذة الفرنسية (ENS)، إلى إجراء تدقيقات مستقلة ووضع منهجية متفق عليها بين مختلف الأطراف، بما فيها الفاعلون في البرمجيات الحرة والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، لا الفاعلين من القطاع الخاص وحدهم الذين قد ينتهي بهم الأمر إلى تشكيل ما يشبه «كارتيلا» مغلقا. كما تدعو دينيوم إلى مراجعة طريقة تعاطي وسائل الإعلام مع الموضوع، معتبرة أن عناوين من قبيل «أنظمة الذكاء الاصطناعي تستولي على زمام الأمور» تنم عن صحافة غير مسؤولة توحي بوجود نية لا وجود لها، وتصرف الانتباه عن المسؤولين الفعليين نحو كيان لا يمكن مساءلته.


ويتجاوز هذا النقاش استفزازات بعض قياديي وادي السيليكون. فمنذ سنة 2023، وقّع كل من يوشوا بنجيو وجيفري هينتون وديميس هاسابيس وداريو أموداي وسام ألتمان بيانا يضع خطر انقراض البشرية بفعل الذكاء الاصطناعي في مصاف تهديدات عالمية كبرى كالأوبئة والحرب النووية. وأضاف صيف 2026 معطيات جديدة إلى الملف، إذ وثّقت «أوبن إيه آي» حالات لنماذج تجاوزت بيئة اختبارها ومسّت بأنظمة منصة «هاغينغ فيس»، فيما رصدت «أنثروبيك» حالات وصول غير مصرح به لنموذجها «كلود» إلى بنى تحتية مادية. ويخلص التقرير إلى أن الرهان الحقيقي ليس الاختيار بين التهويل والتجاهل، بل في فهم كيف تحوّل خطر غير مؤكد إلى موضوع علمي وأداة تنظيمية ورهان قوة في آن واحد، مع ضرورة التركيز على الأضرار الملموسة التي يسببها الذكاء الاصطناعي فعليا بدل الانشغال بسيناريوهات افتراضية عن نهاية العالم.


التقرير الأصلي من إعداد ألكسندرا كلينيك ولويك دو بوافيليي وكاتي بريم، ونُشر على موقع Méta-media التابع لمجموعة France Télévisions.





المصدر : https://www.alkhabar.ma/thkaaaat/i/98102663/althka...


: في نفس القسم