يرصد بحث أكاديمي جديد أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في تشكيل الذاكرة التاريخية داخل أفريقيا ما بعد الاستعمار، ويضعه في منطقة متنازع عليها بين إمكانات إنتاج سرديات بديلة ومخاطر إعادة تثبيت التمثيلات الموروثة من الحقبة الاستعمارية. ويخلص الباحث مارتن ريمون ويلي مبوغ إيبوك، من جامعة دوالا بالكاميرون، إلى أن هذه الأدوات لا تعمل في فراغ تقني محايد، بل تتأثر ببنية البيانات ومواقع امتلاك البنية التحتية وقواعد تصنيف المعرفة التي تهيمن عليها مؤسسات وشركات من الشمال العالمي.
استندت الدراسة إلى تحقيق ميداني في السنغال وكينيا ونيجيريا شمل 45 مقابلة شبه موجهة مع مؤرخين وأمناء أرشيف ومطورين وناشطين وباحثين في الإنسانيات الرقمية، إضافة إلى تحليل 12,500 مادة نصية من شبكتي إكس وفيسبوك و300 اختبار مقارن لنماذج GPT-4 وClaude 3 وLlama 3. وأجريت الاختبارات في ظروف مضبوطة وعلى مدى ستة أشهر خلال عام 2025، مع اعتماد ترميز يدوي مزدوج وتحليل موضوعي ومعجمي للنتائج.
وفق الدراسة، تميل النماذج اللغوية الكبرى إلى إعطاء أولوية للمصادر الأكثر حضوراً في شبكة الإنترنت، وهي مصادر يرى الباحث أنها تعكس في كثير من الحالات الأرشيفات الإمبراطورية والكتابات الأكاديمية الغربية. وتؤدي هذه الغلبة إلى ما يسميه البحث «إغلاقاً دلالياً»، إذ تقدم الآلة إجابة متماسكة ومختصرة تبدو موضوعية، لكنها قد تستبعد تباينات الذاكرة الشفوية والسياقات المحلية والخلافات القائمة حول تفسير أحداث الاستعمار والتحرر الوطني.
وأظهرت الاختبارات التي أجراها الباحث أن نسبة المفارقات الزمنية أو الحذف أو الانحيازات المتمركزة أوروبياً بلغت في المتوسط 42 في المئة عند استخدام مطالبات عادية، مقابل 15 في المئة عند إدراج تعليمات ومراجع وسياقات محلية مكثفة. وسجل GPT-4 نسبة 38 في المئة في المطالبات العادية مقابل 12 في المئة في المطالبات المشبعة، فيما بلغت النسب لدى Claude 3 ما بين 45 و18 في المئة، ولدى Llama 3 ما بين 43 و15 في المئة.
وتورد الدراسة مثال انتفاضة الماو ماو في كينيا خلال خمسينيات القرن الماضي. فالمطالبة العامة، بحسب الاختبارات، أنتجت سرداً إدارياً مبسطاً يقلل من حضور القسم بوصفه رابطة سياسية، ومن دور النساء، ومن أبعاد نزع الأراضي. لكن إدخال تفاصيل من التراث الشفهي واللغة الكيكوية وأسماء الأماكن والمرجعيات المحلية دفع النموذج إلى تقديم عناصر أوسع عن التنظيم الاجتماعي والمصادرة العقارية وتجارب السكان.
كما تناول البحث تمثيل المدن الأفريقية في الصور المولدة. فعند طلب تصوير مدينة أفريقية مزدهرة في ستينيات القرن العشرين، أعادت بعض النماذج إنتاج مشهد حضري قريب من باريس في بيئة استوائية، مع مبانٍ هوسمانية وشرفات ومظاهر أوروبية. في المقابل، أتاح توجيه أكثر تفصيلاً استحضار معالم من عمارة داكار الحديثة بعد الاستقلال، وأجواء بصرية مرتبطة بالسياقات السنغالية والأفريقية.
يسمي الباحث هذه الممارسات «الصيد التذكري»، ويقصد بها توظيف المستخدمين للهندسة الدقيقة للمطالبات من أجل إدخال روايات شفوية وتعبيرات محلية ووثائق ومراجع يغيب كثير منها عن الإجابات التلقائية. ويرى أن هذه الاستراتيجيات تمنح الفاعلين المحليين هامشاً لإعادة إدخال ذوات وتجارب تاريخية مهمشة، من دون أن تلغي المشكلات المتصلة بملكية البيانات وبنية الحوسبة وقواعد تدريب النماذج.
وتبقى، في نظر الدراسة، المعضلة الأساسية مرتبطة بالاعتماد على خوادم ونماذج ومنصات مملوكة لجهات خارج القارة. إذ قد تتحول المساهمات المحلية نفسها إلى بيانات تستخدم لاحقاً في تحسين النماذج الخاصة من دون سيطرة أفريقية على طرق استخدامها أو عوائدها. لذلك يدعو البحث إلى الانتقال من تعديل الاستعمالات إلى بناء سيادة رقمية تشمل البيانات ومجموعات التدريب والبروتوكولات والبنية الحاسوبية، مشيراً إلى مبادرات مثل Masakhane وLelapa AI بوصفها مسارات أولية لتطوير تقنيات لغوية أفريقية أكثر ارتباطاً باللغات والسياقات المحلية.
المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/98...