☰

«الدعاية» لبول شارون: قراءة في تحولات الخطاب الدعائي وأدواته الرقمية


الثلاثاء 3 نونبر 2026 à 11:35 |




طرحت دار النشر الجامعية الفرنسية «بريس أونيفرسيتير دو فرانس» (PUF)، ضمن سلسلتها الشهيرة «ماذا أعرف؟»، كتاباً جديداً بعنوان «الدعاية» للباحث بول شارون، صدر في المكتبات يوم 29 أكتوبر 2026. ويقترح العمل مدخلاً إلى تاريخ الدعاية وتعريفاتها ووسائل تأثيرها، مع عناية خاصة بصيغها الرقمية الراهنة وبكيفية استقبالها والتصدي لها. ويستند تقديم الناشر إلى فكرة محورية: الدعاية لم تنتهِ بزوال الأنظمة الشمولية التي طبعت القرن العشرين، بل ظلت تبدّل أشكالها وأدواتها، حتى داخل مجتمعات ديمقراطية ظنّت نفسها في مأمن منها.

والمؤلف ليس غريباً عن الموضوع؛ إذ يدير بول شارون مجال «الاستخبارات والاستشراف واستراتيجيات التأثير» في معهد البحث الاستراتيجي التابع للمدرسة العسكرية بفرنسا (IRSEM)، وتنصبّ أبحاثه، وفق سيرته المنشورة على موقع المعهد، على الدعاية والاستراتيجيات الإعلامية للدول، ولا سيما الصين، وعلى تكاثر الأشكال السردية في الخطابات الدعائية الرسمية.

ظاهرة متحوّلة لا صفحة مطوية

يجعل هذا المنطلق من فكرة التحوّل جوهر الكتاب. فبدل أن يحبس الدعاية في صورة نمطية مرتبطة بحقبة سياسية بعينها، يقاربها من زاوية استمرارها وقدرتها على التشكّل في قوالب جديدة. وبحسب العرض التعريفي، فإن تبدّل الوسائط لا يعني انحسار الظاهرة، بل انتقالها إلى صيغ مثل تكرار الأكاذيب، واستمالة المشاعر، والأتمتة الرقمية، وهي مظاهر لممارسة تعيد صياغة نفسها باستمرار، وإن بقيت صورتها في أذهان كثيرين مشدودة إلى الماضي.

ويعود شارون إلى تعريفات الدعاية ومسارها التاريخي، معتبراً ضبط المفهوم وتتبّع تطوره خطوة لازمة لفهم ممارساته الحالية. وبذلك يزاوج الكتاب بين النظر في المعاني التي حملها المصطلح عبر الزمن وفحص الأشكال الملموسة للخطاب الدعائي، فلا يكتفي بجرد الأدوات الرقمية ولا ينحصر في سرد تاريخي، بل يصل بين المستويين في معالجة واحدة.

تفكيك الآليات: من الحجة إلى الإخراج

وفي تشريحه لطريقة اشتغال الدعاية، يتوقف المؤلف عند أبعادها الحجاجية والسردية والعاطفية، إضافة إلى أساليب الإخراج والعرض. أي أن الدراسة، كما يصفها الناشر، تشمل الحجج التي يُبنى عليها الخطاب، والطريقة التي تُنسج بها روايته، والانفعالات التي يراهن عليها، والصورة التي يُقدَّم بها. والغاية فهم كيف تعمل الرسالة الدعائية، لا الاكتفاء بمضمونها المعلن، وهو ما يذكّر بالتمييز المعروف بين أنواع الدعاية المعلوماتية بحسب درجة وضوح مصادرها وأهدافها.

أما البعد الرقمي فيشكّل أحد المحاور الأساسية للعمل. فالتقديم يشير إلى الأتمتة والتضليل المتكرر واستثمار الانفعالات باعتبارها من أبرز صيغ الدعاية المعاصرة، من دون أن يسمّي منصات أو حالات بعينها. ويربط الكتاب حضور هذه الممارسات بالمجتمعات الديمقراطية أيضاً، رافضاً اعتبار الدعاية شأناً يخص الأنظمة الشمولية وحدها، في سياق تتوالى فيه نماذج من قبيل توظيف الذكاء الاصطناعي في التضليل الإعلامي.

التلقي والمقاومة وما وراء الغرب

ولا تقف الدراسة عند منتِج الخطاب، إذ يتناول شارون كذلك مسارات التلقي وإمكانات المقاومة والرد، أي الكيفية التي تُستقبل بها الرسائل الدعائية والسبل الممكنة لمواجهتها. ويعرض الناشر هذه المسائل بوصفها أسئلة يشتغل عليها الكتاب، لا وصفات جاهزة أو نتائج نهائية، وهي أسئلة تزداد إلحاحاً مع ما يُلاحظ من تراجع منظومات مكافحة التضليل على المنصات الكبرى.

ويمتد اهتمام المؤلف إلى سياقات غير غربية في سياق فحصه لفعالية الخطابات الدعائية الراهنة، وهو اختيار يبرز في تقديم الكتاب جزءاً من مجال دراسته إلى جانب التاريخ والأدوات والوسائط. ويختم الناشر عرضه بالتأكيد على أن نقد الدعاية المعاصرة لا يزال، إلى حد بعيد، في حاجة إلى إعادة تأسيس. وعلى هذا الأساس، يبني العمل موضوعه عبر مسارات متكاملة: تحديد المفهوم، وتتبع تحولاته، وفهم آليات تأثيره، ودراسة تلقيه ومقاومته، دون اختزاله في وسيط واحد أو سياق سياسي منفرد.




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98563991/paul-charo...


: في نفس القسم