الحرب في إيران واختبار صمود الاقتصادات الإفريقية


Rédigé le الاثنين 6 أبريل 2026 à 17:49 | Lu 1 commentaire(s)



تجد الاقتصادات الإفريقية نفسها مرة أخرى أمام صدمة خارجية عنيفة، مع اندلاع الحرب في إيران وما ترتب عليها من اضطراب في أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية في الشرق الأوسط، غير أنّ أصواتًا داخل المنظومة الأممية ترى أن القارة دخلت هذه المرحلة الجديدة وهي أكثر تنظيمًا وخبرة من السابق، وفي مقدمتها الأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة كلافر غاتيتي، الذي يتابع من موقعه في أديس أبابا تفاعلات الأزمة وتأثيرها على نمو القارة وقدرتها على احتواء موجة تضخمية جديدة.



يعكس مسار غاتيتي المهني مزيجًا من الخبرة التقنية والاطلاع على إدارة الأزمات المعقدة، إذ تلقى تكوينه الجامعي في الاقتصاد في كندا قبل أن يعود إلى رواندا بعيد الإبادة التي استهدفت التوتسي، حيث عمل خبيرًا لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ليصبح لاحقًا أحد المقربين من الرئيس الرواندي بول كاغامي ويتولى مناصب حساسة على رأس الخزانة العامة والبنك المركزي ووزارتي البنى التحتية والمالية، في مرحلة شهد خلالها الاقتصاد الرواندي نموًا سريعًا قياسيًا. هذا المسار فتح له أبواب الدبلوماسية متعددة الأطراف عندما عُين ممثلًا دائمًا لبلاده لدى الأمم المتحدة، قبل أن يختاره الأمين العام للمنظمة الدولية لتولي قيادة لجنة اقتصادية إقليمية تُعد مرجعًا في مراقبة المؤشرات الكلية ومرافقة الإصلاحات الهيكلية في القارة.

يتسلم المسؤول الرواندي مهامه في ظرف يتسم بتشابك أزمات متلاحقة ضربت إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، من تفشي وباء إيبولا في بعض الأقاليم، إلى صدمة كوفيد-19 التي عطلت سلاسل الإمداد وأثقلت الموازنات العامة، مرورًا بالحرب في أوكرaine التي رفعت كلفة الواردات الغذائية والطاقية. ورغم بوادر تحسن نسبي في عدد من المؤشرات، مع عودة تدريجية للنمو وبدء بعض البلدان في استعادة التوازنات الماكرو اقتصادية، جاءت موجة التصعيد العسكري في الشرق الأوسط لتضع هذه المكتسبات موضع اختبار جديد، وسط تحذيرات دولية من اتساع نطاق الصراع وتداعياته على اقتصاد عالمي لم يلتقط أنفاسه بعد.

تثير الحرب في إيران، خصوصًا بعد إغلاق أو تهديد ممرات بحرية مثل مضيق هرمز واشتداد التوتر في البحر الأحمر، مخاوف كبيرة لدى دول إفريقية تعتمد بدرجات متفاوتة على واردات الطاقة والمواد الأولية القادمة من هذه المنطقة. ويشير خبراء اقتصاديون تابعون للمؤسسات الإقليمية والدولية إلى أنّ جزءًا معتبرًا من الوقود المستهلك في إفريقيا الشرقية والجنوبية مصدره الشرق الأوسط، ما يعني أن أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الأسعار ينعكس سريعًا على تكاليف النقل والإنتاج والزراعة، في وقت لا تملك فيه الحكومات هامشًا واسعًا للدعم بسبب ضغوط خدمة الدين والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار المالي.

يتجاوز تأثير الصراع الحالي مسألة الطاقة ليطال قطاع الأسمدة، إذ ترتبط إنتاجية الزراعة الإفريقية بشكل وثيق بتوفر واردات أساسية من النيتروجين والفوسفات والبوتاس، في لحظة تتزامن فيها الاضطرابات مع مواسم زراعية حاسمة في عدد من بلدان القارة. كما يهدد توتر الأجواء الإقليمية ممرات التجارة التي تمر عبر مراكز عبور مثل دبي، والتي تحولت خلال العقد الأخير إلى منصة رئيسية للتبادل بين الشركات الإفريقية وشركائها في الشرق الأوسط وآسيا، ما ينعكس على تدفقات السلع والخدمات والتحويلات المالية للعمالة الإفريقية المقيمة في دول الخليج، وهي التحويلات التي تمثل في بعض الحالات مصدرًا أساسيًا للعملات الصعبة وللاستهلاك الداخلي.

في مواجهة هذا المشهد، تراهن اللجنة الاقتصادية لإفريقيا وشركاؤها على مقاربة جماعية تسعى إلى تنسيق الردود على مستوى القارة، بعيدًا عن المعالجات المنفردة التي اتسمت بها أزمات سابقة. وتعمل مؤسسات مثل بنك التنمية الإفريقي ومفوضية الاتحاد الإفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على بلورة آليات مشتركة لتحليل آثار الأزمة واقتراح أدوات تمويل موجهة نحو حماية الاستقرار الكلي، سواء عبر دعم ميزان المدفوعات أو مرافقة إصلاحات تخفف من تعرض الاقتصادات للصدمات الخارجية، مع الاستفادة من التجربة المتراكمة خلال فترة الجائحة حين أطلقت مؤسسات مالية دولية خطوط ائتمان خاصة لاقتصادات الأسواق الصاعدة ومن بينها اقتصادات إفريقية عديدة.

يتقدم ملف الأمن الغذائي إلى صدارة الأولويات، حيث يبرز خيار إعادة النظر في سلاسل توريد الأسمدة وتطوير إنتاج قارّي يقلص الاعتماد على الخارج، انطلاقًا من الإمكانات المتوفرة في دول إفريقية تمتلك قدرات تصنيعية أو موارد خام كافية. ويُطرح في هذا السياق مثال الشراكات الممكنة بين بلدان مثل المغرب ونيجيريا، التي تجمع بين موقع رائد في صناعة الفوسفات ومخزون كبير من الغاز الطبيعي، بما يسمح بتطوير مجمعات متكاملة للأسمدة موجهة للسوق الإفريقية، في امتداد لمشاريع قائمة أو قيد التطوير تجمع بين استثمارات حكومية وخصوصية في هذا المجال.

يتقاطع هذا التوجه مع الرهان على توسيع قدرات التكرير داخل القارة، من خلال وحدات عملاقة جديدة في غربها وأخرى في الجنوب والشرق، بهدف تقليص واردات المشتقات البترولية والرفع التدريجي لنسبة التغطية المحلية للحاجيات من الوقود. وفي الوقت نفسه، تحاول العواصم الإفريقية استثمار اتفاقية منطقة التبادل الحر القارية لتسهيل حركة السلع الغذائية والطاقية بين الدول الأعضاء، مستفيدة من موانئ ومحاور لوجستية تشهد ارتفاعًا في أنشطتها مع إعادة رسم خطوط التجارة البحرية العالمية، من دوربان في إفريقيا الجنوبية إلى مابوتو ومرافئ ناميبيا والميناء الجديد في لامو بكينيا.

غير أن تحويل الإمكانات النظرية للتكامل القاري إلى واقع ملموس يظل مرتبطًا بإيقاع الإصلاحات المرتبطة بالمنطقة القارية للتبادل الحر، التي تتطلب مستويات متقدمة من التنسيق السياسي والانضباط القانوني وإزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية. وتقر التقارير الصادرة عن المفوضية الاقتصادية والمؤسسات الشريكة بأن تقدمًا ملموسًا تحقق في بعض الأقاليم، مع ارتفاع حصة التجارة البينية الإفريقية من إجمالي المبادلات، لكن هذا التقدم ما زال دون الطموح المطلوب لمواجهة الضغوط التي تفرضها الحروب التجارية وقرارات رفع الرسوم الجمركية في الاقتصادات الكبرى، وما يستتبع ذلك من بحث الدول الإفريقية عن بدائل داخلية لتصريف منتجاتها وتلبية حاجاتها.

من زاوية أخرى، تثير قرارات بعض الشركاء الدوليين تقليص أو إعادة هيكلة برامج المساعدة الإنمائية تساؤلات حول استدامة نموذج تمويل التنمية القائم على الاعتماد على المنح والقروض الميسرة، مع بروز توجه في الخطاب الرسمي الإفريقي يدفع نحو تعزيز تعبئة الموارد الداخلية واللجوء إلى أسواق رأس المال بشروط أفضل. هذا التحول يمر حتمًا عبر تحسين التصنيفات الائتمانية للبلدان الإفريقية وتقليص علاوات المخاطر، الأمر الذي يفسر اهتمام الاتحاد الإفريقي بإرساء وكالة تصنيف قارية توفّر قراءة أكثر قربًا من الواقع المحلي مقارنة بالمؤسسات الثلاث الكبرى المهيمنة على هذا المجال، وتساهم في بناء سجل إيجابي للدول التي تمكنت من إصلاح ماليتها العامة وتعزيز حوكمتها الاقتصادية.

تمتد آثار الحرب في إيران، بما تحمله من احتمالات تصعيد أو تسويات مفاجئة، إلى ملفات الدين العام وأسعار الفائدة العالمية، إذ يخشى البعض من موجة تشديد نقدي جديدة قد ترفع كلفة الاقتراض وتضع حكومات إفريقية في موقف صعب بين الحاجة إلى تمويل الاستثمار والحفاظ على مستويات مقبولة من المديونية. في المقابل، تتبنى تحليلات داخل مؤسسات إفريقية وإقليمية مقاربة أقل تشاؤمًا، ترى أن التحسن النسبي في إدارة الديون واعتماد أدوات جديدة للتنويع الاقتصادي يمنح القارة هامشًا أوسع للتعامل مع صدمات غير متوقعة، شريطة مواصلة الإصلاحات وبناء شبكات أمان اجتماعي أكثر فاعلية.

وسط هذه التقلبات، يظل العامل الحاسم في نظر العديد من الخبراء هو قدرة الدول الإفريقية على التعلم من الأزمات السابقة وتحويلها إلى حوافز لتسريع التحول الهيكلي، عبر تعميق التصنيع، وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية، وتطوير أسواق مالية محلية قادرة على تمويل النمو بعيدًا عن التقلبات الخارجية. وهكذا تبدو القارة، وهي تواجه تداعيات حرب جديدة في جوارها البحري والجغرافي، موزعة بين هشاشة موضوعية يفرضها موقعها في بنية الاقتصاد العالمي، وبين عناصر قوة كامنة تحاول مؤسسات مثل اللجنة الاقتصادية لإفريقيا وبقية الشركاء تحويلها إلى مسارات عملية تزيد من مناعتها أمام الأزمات المقبلة.

المصدر




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/95868654/a...


: في نفس القسم