بحسب ما ورد في حلقة من برنامج «بلانيسفير» نشرها موقع «ديبلوويب» الفرنسي المتخصص في الجيوسياسة، يُعدّ العنف الجنسي في النزاعات المسلحة من أكثر أسلحة الحرب حضوراً وأقلّها ظهوراً في النقاش العام، رغم طابعه المنهجي. وقد استضاف البرنامج، الذي يعدّه ويقدّمه مؤسس الموقع بيير فيرلويز ويُبثّ على إذاعة RCF، الدكتورة في القانون أليزيا-مايوين جيفتجيسوي (Alizéa-Maïwenn Ciftcisoy)، رئيسة المحللين الموثّقين في المكتب المركزي لمكافحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الكراهية التابع للدرك الوطني الفرنسي، والباحثة المشاركة في مركز CUREJ، والتي أوضحت أنها تتحدث باسمها الشخصي. وقد بُثّت الحلقة أول مرة في 12 أكتوبر 2026.
تستند الباحثة إلى تيار في العلوم الاجتماعية يمثّله باحثون من أمثال كاثرين ماكينون وسينثيا كوكبيرن وماريا إريكسون باز، يرفض النظر إلى العنف الجنسي في الحروب بوصفه جرائم استثنائية منفصلة عن زمن السلم. فهذا العنف، وفق هذه المقاربة، امتداد لـ«سلسلة متصلة» من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي والإذلال والهيمنة والسلطة، موجودة أصلاً قبل اندلاع النزاع؛ والحرب لا تخلقها من العدم، بل تدفعها إلى أقصى درجات التفاقم.
غير أن سياق الحرب يغيّر أشكال هذا العنف وحدّته، ويخلّف أضراراً تتجاوز الآثار النفسية من اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة وقلق، لتشمل العدوى والأمراض والاضطرابات النسائية والمعوية والتشوّهات الجسدية. وتستشهد الباحثة بمثال «نساء المتعة» اللواتي أرغمهن الجيش الياباني على الدعارة خلال الحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى أن 75 في المائة منهن توفّين جرّاء ما تعرّضن له. فالحرب ترفع الحواجز الاجتماعية والأخلاقية والقانونية، وتربك المؤسسات، وتكرّس إفلاتاً فعلياً من العقاب يطلق سلوكيات كانت مكبوحة في العادة. ويغدو الجسد عندئذ أداة رمزية لإذلال الخصم وإظهار عجزه عن حماية مدنييه.
تحدّد الباحثة ثلاث فئات من الضحايا يطالها التجاهل أكثر من غيرها. أولاها الرجال: فمع أن النساء والفتيات يشكّلن الغالبية الساحقة من الضحايا، فإن عدداً كبيراً من الرجال يُستهدفون أيضاً. ويعود إغفالهم إلى تحيّز معرفي قائم على النوع الاجتماعي يصنّف ما يتعرّضون له عنفاً جسدياً «خالصاً» لا عنفاً جنسياً، يضاف إليه المحظور الاجتماعي وغياب التبليغ، الذي يتخفّى غالباً وراء روايات غير مباشرة من قبيل الحديث عمّا جرى «في الزنزانة المجاورة». وعلى الصعيد القضائي، كثيراً ما أُعيد تكييف ما تعرّض له هؤلاء الرجال أمام المحاكم الدولية بوصفه «معاملة سيئة» أو «تعذيباً» أو «معاملة قاسية»، كما في قضية تاديتش أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ما حرمهم من الاعتراف الكامل بالضرر الذي لحق بهم.
أما الفئة الثانية فهم أفراد مجتمع الميم، الذين يبقون أكثر غياباً عن الصورة؛ إذ كانت الهويات الكويرية في معظم مناطق النزاع المدروسة مجرّمة قانوناً أو منبوذة اجتماعياً، ما جعل الضحايا يخشون «عقوبة مزدوجة» من التجريم أو الوصم إن هم بلّغوا.
والفئة الثالثة هي الأطفال المولودون من الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الزواج القسري. فولادتهم في الأسر أو من أب مجهول تعيق تسجيلهم في سجلات الحالة المدنية، وتهدّد حصولهم على الجنسية وعلى هوية قانونية. واجتماعياً، يرتبط مصيرهم غالباً بمصير أمهاتهم اللواتي يتعرّضن بدورهن للتمييز والإقصاء، ما ينعكس على وصولهم إلى العلاج والتعليم والاندماج في مجتمعاتهم. وقد اعترفت المحكمة الجنائية الدولية لهؤلاء الأطفال بـ«ضرر عابر للأجيال»، لا سيما في قضية دومينيك أونغوين.
يقوم استهداف الضحايا على معايير مرتبطة بالنوع الاجتماعي والهيمنة والإذلال والسلطة، وبأساليب تختلف بحسب الفئة. فالرجال يُستهدفون في الغالب في أماكن عامة كمراكز الاحتجاز، حيث يتعرّضون للتعذيب أو يُرغَمون على ارتكاب أفعال بحق أفراد من عائلاتهم أو أشخاص من الجنس نفسه، في منطق يرمي إلى إذلالهم و«تأنيثهم». أما النساء فقد يُستهدفن في الفضاء الخاص أو العام، على نطاق واسع، وكثيراً أمام ذويهن، مع تشويهات جسدية تهدف إلى جعل الاغتصاب أمراً يستحيل إخفاؤه.
ويطال هذا العنف رموز السلطة أيضاً، كما يُظهر ما تعرّض له جثمانا رئيسة الوزراء الرواندية السابقة أغات أويلينجييمانا ورجل الأعمال من التوتسي أسييل كابندا من تدنيس وعرض. كما يعمل وفق منطق تمييزي، إذ ربط الاجتهاد القضائي بين العنف الجنسي والاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية. وقد يبلغ الرعب الذي تبثّه هذه الجرائم حدّ دفع جماعات سكانية بأكملها إلى النزوح، في إطار منطق التطهير العرقي.
ويجسّد «الحمل القسري» هذا البعد الاستراتيجي بوضوح؛ إذ يتضمّن الركن المعنوي لهذه الجريمة، كما حدّدته المحكمة الجنائية الدولية، قصدَ التأثير في التكوين العرقي لجماعة سكانية ما. وتستحضر الباحثة «معسكرات الاغتصاب» في يوغوسلافيا السابقة، حيث احتُجزت نساء بوسنيات مسلمات واغتُصبن وأُبقين محتجزات حتى نهاية حملهن، بهدف طمس انتمائهن «المسلم والبوسني» عبر ما وُصف بـ«إخصاب أبويّ النسب».
ويعكس وصف الاغتصاب بأنه «سلاح حرب» طابعه القتالي ومنهجيته وبعده الاستراتيجي. لكن الباحثة تدعو إلى تنسيب هذه المقاربة: فالاغتصاب قد يكون نتاج سياسة متعمّدة، لكنه ينبع أيضاً من انهيار النظام الاجتماعي في زمن الحرب وسقوط الضوابط الأخلاقية، إذ يُعدّ ممارسة قليلة الكلفة، شديدة التدمير، وقد يُنظر إليه أحياناً بوصفه «مكافأة» للجنود.
تقرّ الباحثة بالتقدّم الكبير الذي أحرزته العدالة الدولية، لكنها ترصد صعوبات مستمرة. أولاها إشكال «تعريفي وتاريخي»: فلم تعرّف أي اتفاقية دولية الاغتصاب أو العنف الجنسي، ما اضطر المحاكم إلى بناء هذه التعريفات عبر الاجتهاد القضائي، وأحياناً بصيغ متنافسة.
وثانيتها تحديات الإثبات: فعبء الإثبات ثقيل، والأدلة المادية كثيراً ما تُتلَف، والقضايا لا تُنظر إلا بعد سنوات. ويعتمد الإثبات أساساً على الشهادات، أي على ضحايا مصدومين قد يتردّدون في الإدلاء بأقوالهم أو يتراجعون عنها، أو يتعرّضون لصدمة جديدة خلال الإجراءات القضائية، كما أظهرت قضية حسين حبري أمام الدوائر الإفريقية الاستثنائية. وقد يستغل الدفاع هذه الهشاشة.
وثالثتها اختيار التكييف القانوني: فأفعال تشكّل عنفاً جنسياً تُصنَّف أحياناً في خانة المعاملة السيئة أو التعذيب، فيُحرم الضحايا من الاعتراف الكامل بضررهم. أما المحاكم الوطنية، ورغم قربها من الضحايا ومن السياق المحلي، فتصطدم بغياب التشريعات الملائمة، أو بضعف الإرادة السياسية والإمكانات، أو بخطر الضغوط المحلية. لذلك تبدو التكاملية بين المستويين الوطني والدولي ضرورية، إذ يعوّض كلٌّ منهما الحدود البنيوية للآخر.
تخلص الباحثة إلى أن الاعتراف بجميع الضحايا، بمن فيهم الرجال وأفراد مجتمع الميم والأطفال المولودون من هذه الجرائم، شرط لعدالة كاملة. وترى أن جبر الضرر ينبغي أن يُفهم بوصفه مساراً مستمراً وتشاركياً يراعي «الزمن الطويل للضرر»، بما يقتضيه ذلك من مواصلة منظمات المجتمع المدني مرافقة الضحايا، والتنسيق مع آليات العدالة الانتقالية الأخرى، والتنفيذ الفعلي والمستدام لتدابير الجبر التي تقضي بها المحاكم؛ حتى لا يتوقف الاعتراف بالضحايا عند صدور الحكم، بل يندرج في مسار شامل لإعادة البناء وصون الكرامة.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
لا تُهمّشوا نظرة الإيرانيين العاديين إلى الحرب إيران بعد حرب الأربعين يومًا: كيف تُدار الجبهة الداخلية؟المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98363160/c...