يرى محمود بن رمضان أن فهم الثورة التونسية يقتضي النظر إليها بوصفها ثمرة مسار تاريخي طويل، لا حدثاً منفصلاً عما سبقه من تحولات. وفي مقتطفين من لقاء نشرته منصة كيرن، يعرض أستاذ الاقتصاد تصوره لمفهوم الثورة الديمقراطية، رابطاً بين الحركة الجماهيرية، وتغيّر موقع الفرد داخل النظام السياسي، وسيادة الدولة. ويضع التجربة التونسية في إطار مقارن يراه ضرورياً لفهم خصوصيتها وموقعها في تاريخ التحولات السياسية، بدل الاكتفاء بقراءة تاريخ البلاد الداخلي وحده.
ويشارك بن رمضان في هذا اللقاء بخلفية تجمع بين العمل الجامعي والمسؤوليات المؤسسية؛ فقد ترأس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة»، كما ترأس المجلس الدولي لمنظمة العفو الدولية، وتولى وزارة النقل في الجمهورية التونسية. ويدير الحوار حاتم بوريال، الصحفي والإذاعي والكاتب والوسيط الثقافي، فيما اقترحت اللقاء أميرة زيلي. ويتناول النقاش مفهوم الثورة الديمقراطية من خلال علاقته بالمؤسسات وعمليات التحديث، مع اهتمام بتعدد المقاربات واختلاف الأزمنة التي يجري فيها التغيير التاريخي.
وفي تعريفه للثورة، يركز بن رمضان على حجم المشاركة الشعبية وطبيعة التحول الذي أحدثته. فهو يعتبر أن حركة جماهيرية واسعة أزالت أسس النظام السابق، وفتحت الباب أمام قيام نظام يحترم الحريات. أما الصفة الديمقراطية، فيربطها بانتقال الفرد إلى موقع المواطن، بما يعنيه ذلك من امتلاك الحقوق والحريات الأساسية، ومن المشاركة في تأسيس شرعية الحكم. وبهذا المعنى، لا ينحصر التغيير الذي يتحدث عنه في استبدال الحاكم، بل يشمل مكانة الفرد وعلاقته بالقانون وبمن يمارسون السلطة.
ويحتل المواطن موقعاً مركزياً في هذه القراءة؛ إذ يقدمه بن رمضان مصدراً لشرعية الحاكمين ولمشروعية القانون، وصاحباً للحريات الأساسية. ويجعل هذا التصور احترام تلك الحريات جزءاً من تعريف النظام الناتج عن الثورة، لا مسألة منفصلة عنه. فالمواطن، في عرضه، هو المرجع الذي تستند إليه السلطة، بعدما صار الفرد مركز البناء السياسي. وتترابط في هذا التعريف ثلاثة عناصر: الشرعية، والقانون، والحقوق، لتحديد مضمون التحول الديمقراطي الذي ينسبه إلى التجربة التونسية.
ويربط بن رمضان هذا الموقع بسيادة الدولة الوطنية، التي يفترض أن تمتلك حرية تنفيذ سياساتها، بشرط احترام الحريات الأساسية لمواطنيها. كما يصف الدولة المقصودة بأنها علمانية ومستقلة عن الخضوع للمؤسسة العسكرية أو لمن يدّعون تمثيل السلطة الإلهية على الأرض. ولا تتعارض السيادة، في تصوره، مع مرجعية المواطن، بل تقوم العلاقة بينهما على تمكين الدولة من إدارة سياساتها مع إبقائها خاضعة لمقتضيات الحقوق والحريات، ولضغط المواطنين دون غيرهم.
وعلى المستوى المنهجي، يؤكد بن رمضان أنه لم يكتفِ بدراسة التاريخ الداخلي لتونس، بل اعتمد المقارنة الدولية في مختلف المراحل التي تناولها. ويمنح هذه المقارنة وظيفة تتجاوز عرض تجارب أخرى، إذ يراها وسيلة لتحديد موقع التجربة المدروسة وفهم المجتمع. ومن هذا المنطلق يرفض حصر القراءة في دراسة بلد بمعزل عن العالم، ويستند إلى السياق الأوسع لتفسير ما يعتبره خصوصية الثورة التونسية، ومدى اختلاف اتجاهها عن التحولات السياسية الجارية خارجها.
وفي عرضه لهذا السياق، يقول بن رمضان إن الديمقراطية تشهد تراجعاً عالمياً متواصلاً منذ عام 2006، ويقدم دونالد ترامب بوصفه تعبيراً عن هذا الاتجاه، مع التأكيد أن المسار بدأ قبل ظهوره. وبناءً على هذه القراءة، يعتبر أن تونس سارت في الاتجاه المعاكس، ويصف ثورتها بأنها أول ثورة ديمقراطية في القرن الحادي والعشرين، والوحيدة فيه حتى الآن. ويتمسك بهذا التوصيف رغم ما يشير إليه من تيارات معاكسة، مقدماً إياه ضمن قراءته لطبيعة الثورة وموقعها في المشهد العالمي. وللتوسع في هذا النقاش، يمكن العودة إلى مقال سابق في «الخبر» حول كيف تُصادَر الديمقراطية لصالح نفوذ المال والتكنولوجيا، وإلى مقال آخر عن ما آلت إليه الأحلام بعد الثورة في تونس.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98283844/tunisian-d...